ترجمات

إندونيسيا ليست نموذجا للديمقراطية الإسلامية

إندرياس هارسونو – (النيويورك تايمز) 21/5/2012
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
أصبح النمط الشائع لدى الزعماء الغربيين في هذه الأيام أن يعمدوا إلى امتداح إندونيسيا والإطراء عليها كنموذج للديمقراطية الإسلامية. وقد صرحت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، بالقول: “إذا كنت تريد أن تعرف ما إذا كان بوسع الإسلام والديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان التعايش، فعليك الذهاب إلى إندونيسيا”. وفي الشهر الماضي، امتدح رئيس الحكومة البريطانية، ديفيد كاميرون، إندونيسيا لإظهارها أنه “ما من حاجة للصراع بين الدين والديمقراطية”.
قال ذلك لاسيا لومبانتوران، المسيحي العجوز الذي تم إحراق مبنيين ناجزين جزئياً في أبرشيته خارج جاكرتا مؤخراً بيد متشددين إسلاميين. وكان هؤلاء المتطرفون قد طعنوه بينما كان يدافع عن موقع ثالث تعرض لهجوم في العام 2010.
وهذا الأسبوع في جنيف، شرعت الأمم المتحدة في مراجعة سجل حقوق الإنسان في إندونيسيا، ويجب عليها دعوة الرئيس الإندونيسي سوسيلو بامبانغ يودهويونو إلى الانقضاض على المتطرفين وحماية الأقليات. وبينما استطاعت إندونيسيا أن تخطو خطوات وثابتة في تعزيز حكومة مستقرة وديمقراطية في أعقاب خمسة عقود من الحكم السلطوي، فإنه لا يمكن اعتبار البلد حياضاً للتسامح. ويجري فيه الدوس على الأقليات الدينية والإثنية على نحو روتيني. وبينما يحمي الدستور الإندونيسي حرية الدين، فإن القوانين المنظمة ضد الكفر والتحول من دين لآخر تستخدم بشكل روتيني لملاحقة الملحدين والبهائيين والمسيحيين والشيعة والصوفيين وأعضاء المعتقد الأحمدي -الأحمديين طائفة مسلمة توسم في العديد من البلدان المسلمة بإنها منحرفة-. وبحلول العام 2010 كان لدى اندونيسيا أكثر من 150 تنظيما قانونيا بأس ديني يحد من حقوق الأقليات.
وفي العام 2006، أصدر السيد يودهويونو مرسوماً جديداً خاصاً بـ “الوئام والانسجام الديني” شدد فيه معايير بناء بيوت العبادة. ويجري الآن تطبيق ذلك المرسوم على الأقليات الدينية وحسب -غالباً عندما يضغط الإسلاميون على المسؤولين المحليين لحملهم على عدم السماح بتشييد كنائس مسيحية أو لمضايقة وترهيب المتعبدين في كنائس “غير قانونية” والتي تفتقر إلى سجل رسمي.
وعلى الرغم من أن الحكومة شنت حملة على الجماعة الإسلامية التابعة لتنظيم القاعدة، والتي كانت قد فجرت فنادق وبارات وسفارات، فإنها لم تتدخل لوقف المتشددين الإسلاميين الآخرين الذين يقترفون، بشكل منتظم، جرائم أقل وضوحا ضد الأقليات الدينية. وفي الأثناء، تبدي حكومة السيد يودهويونو تردداً في اتخاذ إجراءات ضدها لأنها تحكم إندونيسيا بائتلاف يضم أحزاباً سياسية إسلاموية غير متسامحة.
لكن السيد يودهويونو لا يغض الطرف ببساطة وحسب: فقد خطب ود عناصر إسلامية محافظة، كما أنه يعول عليها للإبقاء على الأغلبية التي يتمتع بها في البرلمان، لدرجة أنه منحها مواقع رئيسية في التشكيل الحكومي. وتبعث هذه التعيينات برسالة للمواطنين في إندونيسيا وتشجع المتطرفين على استخدام العنف ضد الأقليات.
وفي آب (أغسطس) من العام 2011، مثلاً، أحرق متشددون ثلاث كنائس مسيحية في سومطرة. ولم يتم اتهام أي أحد، فيما منع المسؤولون الأبرشيات من إعادة تشييد الكنائس. وفي أطراف جاكرتا، رفضت بلديتان الرضوخ لأوامر المحكمة العليا بإعادة افتتاح كنيستين مقفلتين: وادعى السيد يودهويونو بأنه لا يتوافر على صلاحية التدخل.
ولا يعد المسيحيون الهدف الوحيد. ففي حزيران (يونيو) من العام 2008، أصدرت إدارة يودهويونو مرسوما يتطلب من طائفة الأحمدية المسلمة “وقف نشر تأويلات ونشاطات تحيد عن التعاليم الرئيسية للإسلام”. وقالت الحكومة إن المرسوم كان ضرورياً للحيلولة دون ارتكاب أعمال العنف ضد الطائفة الأحمدية. لكن الحكومة الرسمية استخدمت المرسوم، شأنها شأن الحكومات المحلية، لصوغ قوانين أشد صرامة. ومن ثم أغلق المتشددون الإسلاميون، الذين يعتبرون الأحمديين من الهراطقة، عنوة أكثر من 30 مسجداً تابعاً للطائفة الأحمدية.
وفي أكثر هجوم قاتل، في جاوا الغربية في شباط (فبراير) من العام 2011، قتل ثلاثة رجال من الطائفة الأحمدية. وصور رجل كاميرا العنف، وقام ببث نسخ منه على موقع التواصل الاجتماعي “يو تيوب”. وفي نهاية المطاف، نظرت محكمة اندونيسية في اتهام وجه إلى 12 متشدداً إسلامياً، لكنها أصدرت أحكاماً مخففة تراوحت بين السجن أربعة شهور وستة.
كما فشل السيد يودهويونو في حماية الأقليات الإثنية التي دعت سلمياً إلى منح الاستقلال للمناطق الشرقية في جزر بابوا وملقا. وخلال مظاهرات نظمت في بابوا يوم الأول من أيار (مايو) قتل أحد المحتجين بينما جرح 12 آخرون. وفي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي هاجمت الحكومة بوحشية مجلس الشعب في بابوا وضربت عشرات الأشخاص وقتلت ثلاثة أشخاص. وبينما زج بالمحتجين في السجون واتهموا بالخيانة، تمت ترقية مسؤول الشرطة المسؤول عن الأمن في ذلك اليوم.
ويظل وراء القضبان نحو 100 شخص تقريباً لأنهم احتجوا سلمياً. وثمة عشرات الأشخاص منهم يصارعون المرض، لكن الحكومة أنكرت عليهم تلقي العلاج المناسب، مدعية أنها تفتقر إلى المال. والجدير بالإشارة أن دكتاتورية سوهارتو (الرئيس السابق)، كانت قد سمحت للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة السجناء السياسيين. لكن حكومة يودهويونو ما تزال ترفض عمل الصليب الأحمر في بابوا.
بدلاً من امتداح اندونيسيا، يجب على الأمم التي تدعم التسامح والرأي الحر أن تطالب جهاراً بأن تحترم اندونيسيا الحرية الدينية، وأن تفرج عن السجناء السياسيين، وأن ترفع القيود المفروضة على الحرية الدينية لكل الأقليات، قولاً وفعلاً، وأن تُفّعل الحماية الدستورية لحرية العبادة. وعلى الرئيس الإندونيسي أيضاً إيضاح أنها ستتم معاقبة المتشددين الذين يرتكبون العنف أو يحرضون عليه، إلى جانب معاقبة الشرطة التي تفشل في توفير الحماية للضحايا. وعندها فقط، ستستحق اندونيسيا مديح وإطراء السيد كاميرون والسيدة كلينتون.
*باحث في القسم الآسيوي لمنظمة هيومان رايتس ووتش.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
No Model for Muslim Democracy

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock