أفكار ومواقف

إنسانية وقتل.. على الهوية!

فجأة، وبعد سنوات على استخدامها، يقر أحد المؤيدين بشدة لنظام بشار الأسد بالبراميل المتفجرة التي ينهال بها هذا النظام على رؤوس السوريين. لكن غايته من ذلك هي تشبيهها بغارات التحالف العربي في اليمن، وصولاً بالتالي إلى إدانة هذه الغارات، وليس براميل الأسد المسكوت عنها وعن ضحاياها من قبل ومن بعد!
لكن، عدا عن تاريخ بدء استخدام الأسد لكل أنواع الأسلحة التي بحوزته ضد السوريين، وهو تاريخ أسبق بسنوات على عمليات التحالف العربي في اليمن، وصولاً إلى الفارق المهول بين عدد الضحايا السوريين وعدد الضحايا اليمنيين، وقبل ذلك النية في استهداف كل منهم، فإنه ذاك “المنطق” السابق ذاته يصلح من زاوية أخرى باعتباره مبرراً لقتل اليمنيين!
لكن إلى أي غاية يمكن أن يصل هكذا جدل “عربي عروبي”، إن كان حق الإنسان في الحياة محل جدل أصلاً، تحت أي ذريعة كانت؟ هل هكذا تُحقن الدماء العربية فعلاً، أم النتيجة الحتمية زيادة التطرف، لاسيما مع دخول العامل الطائفي والمذهبي؟
لا داعي للاستنتاج، فلدينا نموذج ناجز بمساراته ومآلاته، هو نموذج العراق بعد الغزو الأميركي، الذي انتهى إلى تبرير طائفي بعد انكشاف كذبة أسلحة الدمار الشامل؛ وذلك بادعاء الرغبة في تصويب الوضع القائم إبان عهد صدام حسين، حين كانت أقلية سُنية تحكم أغلبية شيعية! وهو ما تلقفته إيران وبنت عليه صراعاً طائفياً لا تبدو له نهاية.
والمفارقة القاتلة أن عرباً “عروبيين” أيدوا، صراحة أو صمتاً، السياسات الإيرانية في العراق بدعوى “المقاومة والممانعة”، وبالتالي قبول/ اعتبار كل سُنّة العراق “قاعدة” مبررة تصفيتهم من قبل المليشيات الشيعية. ولم يفتضح هذا التواطؤ إلا مع صعود تنظيم “داعش” واجتياحه الموصل، مالئاً الفراغ الذي خلفه العرب في العراق، متحدثاً باسم سُنّته، مع أنهم أكثر ضحاياه.
وهذا يعيد إلى سؤال سابق: هل كانت إيران ستتمكن من التمادي في مشروعها الطائفي في العراق، وبالتالي دعم “داعش” فكراً وتنظيماً، لو وجدت من يتحدث على الأقل بصوت عال، شعبياً كما رسمياً، ضد ممارساتها في العراق، ولاحقاً في سورية، بدلاً من إعطائها شيكاً على بياض بدعوى “المقاومة والممانعة”؟
بمناسبة السخرية المخزية لأصحابها حتماً من حصار بلدة مضايا وتجويع أطفالها، علق أحد المثقفين الفلسطينيين المعروفين، بأنه لا يريد من هؤلاء الرافعين شعار المقاومة والممانعة، والهازئين بمأساة مضايا، تحرير فلسطين. متبعاً ذلك بوسم “مع المقاومة وضد الاستبداد”. والحقيقة أنه لو كان هذا الوسم هو المعيار فعلاً، لما ضاع العراق وسورية، ولما تحللت المقاومة وانتهت أداة قتل طائفي بيد إيران، ولما تجذرت الطائفية في العالم العربي نتيجة ذلك.
ستُسحب كل الذرائع من يد “داعش” وأشباهه، حين تسود ثقافة إدانة القتل أياً كان القاتل، ويسود إعلاء قيمة الحرية والكرامة لكل إنسان في العالم العربي في مواجهة كل من يستبيحهما، أياً كان دين ومذهب وعرق هذا الإنسان. أما تحديد مستوى الإنسانية المستحقة على الهوية، فليس إلا الوجه الآخر للقتل على الهوية، وبالدرجة ذاتها من البشاعة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock