سلامة الدرعاوي

أذكر جيداً أنه في صيف العام 2007 عندما تحدث رئيس الوزراء حينها الدكتور معروف البخيت وقال حرفياً: ان “الحكومات السابقة أنفقت أكثر من 800 مليون دينار لمحاربة الفقر لكن دون جدوى.
هذه العبارة تُلخص المشهد العام في خطط الحكومات وبرامجها التنمويّة التي نُفذّت على مدى العقود الماضية دون أن تحقق نتائجها، بل على العكس تماما خالفت الأهداف وكانت النتائج سلبية للغاية، فقد أنفقت الخزينة مئات الملايين من الدنانير -جزء كبير منها كان من خلال قروض ومساعدات خارجيّة- لكن يا للأسف المحصلة كانت مخيبة للآمال.
في العام 2008 كان عدد جيوب الفقر في المملكة 20 جيباً، ومع المسح الثاني المتزامن مع كثرة برامج مكافحة الفقر التي نفذت بأدوات عدة من خلال وزارات التخطيط والتنمية ومؤسسات مجتمع مدني تلقت دعماً من الحكومة ومن خارجها، كانت جيوب الفقر في العام 2012 حوالي 31 جيباً، أي بمعنى آخر كلما أنفقت الحكومة أكثر في محاربة الفقر زادت نسبته، “شيء غريب وعجيب في علم التنمية”.
الامر ليس مقتصرا على برامج مكافحة الفقر التي بلغت نسبتها الآن ما يقارب الـ24.7 %، فبرامج الانفاق كثيرة وأهدرت الموارد وذهبت الاموال أدراج الرياح، وكأنها لم تصرف نهائيا، فغالبية برامج التشغيل والتوظيف التي اعلنتها الحكومات وخصصت لها مئات الملايين من الدنانير لم تصل للحد الأدنى من اهدافها، فكل هذا الانفاق الكبير والذي تُرجم ببرامج وخطط كالشركة الوطنية للتشغيل على سبيل المثال لا الحصر لم ترتق للجهود الحقيقية في مكافحة البطالة التي باتت اليوم تناهز نسبتها الـ25 %، وهي في ارتفاع غير مسبوق.
المنحة الخليجيّة بقيمة 3.6 مليار دولار، أُنفقت من قبل أربع حكومات، كان لحكومة النسور النصيب الأكبر من حصصها بأكثر من 80 % من قيمتها، ثلثها ذهب لتعبيد طرق في مناطق نائية غالبيتها لصالح مزارع تعود لقوى متنفذة في المجتمع، وباقي الأموال ذهبت على مشاريع في شكلها رأسماليّة، لكن في حقيقتها هي كانت ضمن نفقات تشغيليّة لا أكثر تحت مسميات مختلفة، والنتيجة ان النموّ الاقتصاديّ بقي في أدنى مستوياته والتي كانت عليه قبل الحصول على المنحة 2 %.
النتائج السابقة هي محصلة طبيعية لضعف التخطيط في ظل وجود فرق إدارية رسمية تعبث بالمال العام ولا تعي حقيقة او معرفة إدارة المال العام بالشكل الاقتصاديّ والتنوع المطلوب، فالكثير من تلك الاموال ذهبت لغير مستحقيها، وجزء لا بأس به حصل على أموال من الدولة وكأنها اعطيات، وبرامج خصصت للتنمية مثل برامج صندوق تنمية المحافظات، وذهبت غالبية أموالها في مشاريع على ما يبدو ان نسبة نجاحها ضعيفة جدا بدليل ان استرداد كلف تلك البرامج او القروض في المحافظات محدودة للغاية، والامر يتخطى هذا بكثير، والكل يتذكر ايضا برامج تعزيز الانتاجية التي اتبعتها وزارة التخطيط قبل عشر سنوات، وكلها كانت برامج للدعم الماليّ لا أكثر مع كل أسف.
هذا الهدر الماليّ الكبير الذي حدث وما يزال يحدث، هو نتيجة لغياب المساءلة والتقييم للسلوك الرسميّ، وفي ظل غياب الدور الرقابي الحقيقي للسلطة التشريعيّة التي قد تكون ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في العبث الماليّ، نتيجة سلوكيات الضغط والابتزاز والصفقات بينها وبين الحكومات والوزراء لتمرير قرارات او قوانين معينة، مما يدفع الحكومات للإذعان لتلك المطالبات التي ترجمت لاتفاق عشوائي لا قيمة له.
ما أحوجنا في الأردن اليوم لإدارات رشيدة وسياسيات محاسبيّة وتقييمية لسلوك المسؤولين، ورقابة تشريعية وإدارية من مجلس النوّاب، للوصول الى ما هو معلن ومستهدف في هذه الخطط، حتى نتجاوز الحصانة التي يتمتع بها الموظف من أي مساءلة، حينها لن يكون هناك هدر للمال العام، والاهم من ذلك ستصل الحكومات الى الحد المطلوب من أهدافها التنمويّة، بدلا من ان تتبخر وتدخلنا في كابوس ماليّ يضيف عجزا ماليا جديدا الى العجز الحالي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock