فكر وأديان

إنها العدالة

د. محمد خازر المجالي

كم هو الإسلام عظيم في ترسيخ معاني العدل في مستوياته كلها؛ على مستوى الأسرة والمجتمع والأمة. فالعدل أساس الحكم، وربما تقاس كفاءة المسؤول به؛ إذ لا يمكن أن نتخيل ولاية عامة من دون عدل. هذا في المجتمعات الراقية، أما مجتمعات القهر والاستعباد، فحدّث ولا حرج. وقد ركزت أحكام القرآن بشكل واضح، من خلال القصص أو بعض التشريعات المباشرة، على أهمية العدل وآثاره الإيجابية التي تنعكس طمأنينة ودافعية نحو العمل المثمر؛ حين يتفرغ الناس للعمل الجاد، فحقوقهم محفوظة، وهم سواسية لا فرق بين أحد منهم على الآخر في الحقوق والواجبات.
إن الشأن الأهم في موضوع العدل وسياسة الناس، هو أن لا يمارِس أحد من خلال موقعه أي تصرف يخل بمنظومة الحكم والعلاقة التي ينبغي أن تسود بين الحاكم والمحكوم، والتي ينبغي أن تُبنى على العدالة ابتداء وانتهاء. وقد بين سبحانه في آيتين متتاليتين في سورة النساء حقوق الراعي والرعية، وهما قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً” (الآيتان 58 و59). وبنى ابن تيمية كتابه “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية” على هاتين الآيتين.
الآية الأولى بينت حق الرعية، وهي واجبات الحاكم. وبدأت بما ينبغي أن يعف به نفسه؛ فيكون أمينا ويرد الأمانات إلى أهلها، ولا يتطلع إلى ما بين أيدي الناس. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ إذ ورد سبب نزول لها أن العباس طلب يوم فتح مكة من النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يضم سدانة البيت إلى بني هاشم مع السقاية، ويأخذ المفاتيح من بني شيبة، فنزلت الآية في جوف الكعبة. فرد النبي، صلى الله عليه وسلم، مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة.
وبعد هذا التوجيه للحكام، يأتي موضوع العدل الذي ينبغي أن يسود، ومن دونه يتعرض الحاكم نفسه إلى الزوال والنكال. والعجيب في تعقيب فاصلة الآية: إن الله نعما (نعم ما) يعظكم به؛ فهو الأدرى بما يصلح لكم، والإتيان باسمي السميع والبصير لأن المقام مقام تحاكم وعلاقات، وفيها التنبيه بأنه يسمع ويبصر، وبعد ذلك فهو جامع الناس ومحاسبهم، لتكون الفاصلة ترهيبا من أن يلتف الناس على أمر الله تعالى وتشريعه.
أما الآية الثانية، فبينت حق الراعي؛ وهي واجبات الرعية أو المواطنين. وخلاصتها في هذه الطاعة، والتعاون في الوصول إلى منظومة تعيش فيها المجتمعات حالة من السلم والتفاهم. ونلحظ أن الله تعالى لم يكرر لفظ “وأطيعوا” عند أولي الأمر لبيان أن طاعتهم مشروطة بطاعة الله ورسوله؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقال صلى الله عليه وسلم: “إنما الطاعة في المعروف”.
والجميل هنا توجيه الله تعالى لنا في حال التنازع أن نرده إلى الله والرسول؛ أي إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهي أمور لا مجاملة فيها؛ فمرجعية المسلمين وحي، والاجتهاد الموجود هو في ظل هذا الوحي. ولا يمنع هذا العقلَ من الاجتهاد والإبداع، فمجالاته كثيرة في شؤون الدين والدنيا.
وإذا جئنا إلى واقعنا المعيش، فكم من مسؤولين يسيئون من حيث يعلمون أو لا يعلمون؛ لا يفرقون بين انتماء وعدالة وحقوق بشر، ولا يعلمون أن أي احتقان يسببونه لأي مواطن سوف يكون له مردود عكسي ولو بعد حين. فالعدل سبب في رخاء الشعوب، ورحم الله ابن تيمية القائل: “إن الله يؤيد الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يؤيد الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة”.
هناك حديث عن الكراهية، وعادة ما يتم ربطها بالتشدد الإسلامي؛ حيث إقصاء الآخر واحتقاره وربما قتله. وأزعم أن وراء مثل هذه التصرفات ردات فعل نتيجة لغياب العدالة ابتداء. وكل ذلك خطأ في الفعل وردة الفعل. والمهم أن موضوع الكراهية أعم من هذا. فهناك كراهية في سياسة الناس والتفريق بينهم وإثارة الأحقاد بينهم وتركهم بلا منهج واضح من العدل. وهناك استعداء الناس بالشبهات وإقصاء المخالف للرأي. فهذا كله قد يكون ممارسات حكومية؛ فلماذا نغض الطرف عنها، وهي من أهم معالم الكراهية التي ينبغي أن نجتث، وينبغي الحديث عنها أكثر من الحديث عن فئات من الناس تمارس الكراهية فرديا؟ فالعتب على الحكومات أكثر من الأفراد والجماعات. فالكراهية هنا جريمة منظمة، والعجيب أن القوم لا يشعرون بها.
إنها العدالة التي بها رخاء الشعوب وطمأنينتهم وأمنهم، ومعها هيبة الدولة التي لن تكون إلا بالعدل، وبغير ذلك فلن نتقدم أبدا. ومهما غيرنا من شكليات في الحكومات والأشخاص، فسيبقى الأمر كما هو؛ فلا بد من تغيير السياسات لا الأفراد. ولنتذكر أن أول شيء أمر الله به هو العدل: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” (النحل، الآية 90).
كم هي كثيرة نماذج العدل التي لا تقف عند الخلفاء من الصحابة والتابعين، بل تمتد إلى عصرنا الحاضر. والمؤلم أن نجد العدل عند غير المسلمين، بينما العالم الإسلامي يرتع في أوحال الظلم والقهر والتيه، وإن قامت فئة لتصلح يسرع بعض الناس بأن وراء ذلك خطر، وأن هؤلاء أعداء للأمة، وهكذا تضيع المبادئ ويزداد القهر والتخلف. وفي مثل هذه البيئات لا يمكن أن يكون هناك تقدم أبدا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock