فكر وأديان

“إن بطش ربك لشديد”

محمد المجالي

هو نص مثل غيره من النصوص القرآنية الكثيرة التي أراد الله منها تعزيز الإيجابية في النفس، وبث الطمأنينة عند المؤمن بأن الله تعالى الذي يلوذ به المؤمنون غير عاجز عن نصرتهم وتأييدهم، ولكنْ لله حكما وسننا، ولا بد للمؤمن عموما من إدراك ما له وما عليه، ويتيقن بعد ذلك بأن العاقبة للمتقين ولو بعد حين، ولعل تأخر النصر أو وقوع الابتلاء أو حدوث ما ظاهره عكس وعد الله إنما هو من عند أنفسنا، وقد قالها الله تعالى حكاية عن حال الصحابة يوم أُحُد حين تعجبوا مما حل بهم من تنكيل وقتل فقالوا: “أنّى هذا!؟”، فأجابهم الله تعالى: “قل هو من عند أنفسكم”.
تمر بالأمة محن كثيرة لا تقل عما تعرضت له زمن التتار والحروب الصليبية، بل تكاد تكون الإرادة الحقيقية مشلولة مأمورة بأمر أعداء متحكمين في كثير من المفاصل المهمة، وكما قلت فالسبب في هذه الأحوال ومعها الابتلاءات والمصائب يرجع جزء كبير منه لأنفسنا، بهذا الهوان الذي رضيناه لأنفسنا، حين رتعنا في الشهوات ونسينا المنجيات ولم نأخذ بالأسباب، وحين تركنا حبل النجاة وركنا إلى الأعداء، وحين عطلنا عقولنا عن الإبداع، واكتفينا لغيرنا بالاتباع، وحين سكتنا عن الظلم والظالمين، بل صنعنا رموزا في أصلها هشة، وإذا بها تُخشى وتطاع أكثر من الله، فشُلَّت إرادتنا، وتبعثرت جهودنا، ولأن غالبنا لا يهمه أمر دين ولا أمة، وكثيرون أعذروا أنفسهم بأنهم لا يستطيعون فعل شيء، أو أنهم اكتفوا بالحد الأدنى من الإنكار ونسوا الاستمرار، هنا هانت علينا أنفسنا قبل أن يهون علينا أمر ديننا وأمتنا، فتحكم الصغار، وأفسد الأغيار، وغاب الأخيار.
لا بد من الاعتراف أن هناك كثيرا من العابثين بالدين، يستهترون بقيمه، ويثيرون الشبهات حوله، بل يشككون حتى في قدرته على تنظيم الحياة، بل لهم نظرتهم في أصل الدين كله، سيطرت عليهم أفكار غريبة دخيلة، أفكار ظاهرها أحيانا خير، ومحتواها شر، يظن هؤلاء أنهم قادرون على إلغاء الدين من مفهوم الحياة، يسوّغون أفكارهم هذه بأن الدين أفيون الشعوب، وضد التقدم، وسبب التخلف، وربما رأوا تصرفات المسلمين وأحوالهم متردية متخلفة، فظنوا أن الدين سبب ذلك، وما فرّقوا بين دين وأتباعه، ربما قاسوا المسألة خطأ على ما جرى في أوروبا في العصور الوسطى، ولذلك يجتهدون في بث الفكرة بأن سبب التأخر والتخلف هو الدين، وهكذا سعى كثيرون (ومنهم من أبناء جلدتنا) إلى أن يشوهوا الدين وأتباعه، وشيطنة كل فكرة إسلامية، أو محاولة إسلامية للنهضة والمشاركة في الحياة وفق هدي الإسلام العظيم.
(إن بطش ربك لشديد)، ذكر الله هذه الآية في سورة البروج، تعقيبا على ما حصل للفئة المؤمنة التي انتصرت بعقيدتها العزيزة على الحياة الذليلة، حين حُفرت الأخاديد، وأضرمت فيها النار، وأُلقي فيها الرافضون للكفر وتأليه الأشخاص، فلا مساومة على دين الله، وظن هؤلاء الطغاة أنهم انتصروا، ولكنهم في الحقيقة خسروا، لأن هدفهم كان تحويل الناس عن دينهم وعبادة إله مزعوم، فما تحقق لهم ذلك، بل بقي القوم على التوحيد وإن غابت أجسامهم بقتلهم، ويحذّرُ اللهُ كل من يعتدي على المؤمنين بأن بطشه شديد، ولا يغتر أحد بقوته أمام بطش الله الشديد، فهو يمهل ولا يهمل، يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته.
هذا الدين حيّ تكفل الله برعايته، أكمله الله وأتمّ نعمه علينا به، ورضيه لنا دينا، هو الدين الخاتم على النبي الخاتم بالكتاب الخاتم للوحي، حاول الصليبيون قديما وما أفلحوا، وخلصوا إلى الحرب الفكرية بشبهاتها وشهواتها، وحاولوا قريبا واحتلوا بلادنا كلها، ولكن الدين بقي حيا، وها هو ينتشر في بلادهم، بل هو الدين الأسرع نموا رغم كل محاولات التشويه والتخويف منه، فهو الله سبحانه الذي وعد: “يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون”.
وفي المقابل، مطلوب من أتباع هذا الدين حسن الاتباع وحسن الأداء، وقبل ذلك حسن الفهم وأدب الاختلاف، والانتماء الحقيقي لهذا الدين لا مجرد الادعاء بأننا مسلمون، فلا أحد أحسن ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، وهذا يترتب عليه التزام حقيقي بين العبد وربه سبحانه، بالاستقامة والإيجابية والصبر على ذلك، فقد تكفل الله بنصر من نصره: “ولينصرن الله من ينصره”، فإن تأخر الوعد أو لم يتحقق فلا شك أن المدخلات (أننا نصرنا منهج الله) فيها خلل، فالمراجعة ضرورية، ولا يكفي مجرد الالتزام العام بالدين، فلا بد من الأخذ بالأسباب وتحقيقها، فلسنا أفضل من الصحابة الذين هُزِموا وفيهم رسول الله، لا لشيء عظيم، بل لمخالفة أمر من الأوامر التي أمر بها ثلة منهم، ليكون الدرس القاسي الذي اعتبروا به، ولم يُهْزَم الصحابة بعدها أبدا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock