فكر وأديان

“إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”

د. محمد المجالي
حين اختلط الحق بالباطل، وكثر الكذابون والوضاعون، قيل قديما: سموا لنا رجالكم، وأدى هذا إلى الاهتمام بالسند، وتمحيص الروايات، ونشَأت علوم بأكملها لضبط النص والتأكد منه، فالأمة الإسلامية أمة السند، ومنهجها التثبت عموما: “إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”، ومنهجها أيضا: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت”، وأن العلم أمانة، وأن من قال لا أدري فقد أفتى، وأن الكلمة في فمك تملكها، وإن خرجت ملكتك.
وفي زمن الانفتاح والعولمة وسهولة الاتصالات، وكثرة المتصدرين للفتوى والموعظة والتعليم خاصة الشرعي، فإنه لزام علينا أن نذكر ما ذكره السلف من التابعين تمجيدا للعلم من جهة، والتحذير من الطارئين على المشهد الديني من جهة أخرى، فكانت هذه المقولة العظيمة: “إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”، فالعلم الشرعي دين يُعرف به الله تعالى وأحكام هذا الدين، فللعلم مكانة وأية مكانة، وديننا هو دين “اقرأ”، وأول خمس آيات نزلت على حبيبنا صلى الله عليه وسلم حشدت الحديث عن القراءة والعلم والقلم، فلا نتساهل في شأن العلم، ولأن له هذه الأهمية فلا بد من التأكد عن مصدر هذا العلم، فلا يؤخذ من أي شخص، فليس كل الناس ثقات مؤتمنون على دين الله تعالى.
هذا الدين عزيز على المسلم، أكمله الله تعالى وأتم به علينا النعمة ورضيه لنا، وطريق الوصول إليه بالعلم، ممن تعلم وعرف مداخل هذا الدين، أو عن طريق علماء يلجأ إليهم العامة، وبهذا ورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين”، ولهؤلاء سماتهم التي يتحلون بها، أهمها التقوى وأمانة الكلمة، والجد في طلب العلم.
لا بد من الاعتراف أن سمة هذا العصر التهرب من الالتزامات الدينية، وطلب التخفيف في كل شيء، فنسمع من يريد فتوى (بالتفصيل على المقاس)، أو تحليلا لأمر حرام، أو رخصة في غير موضعها، وهؤلاء يريدون تمييع الدين وتقزيمه. ومن الناس من يبحث عن أية مسألة تبعده عن الالتزام الديني، فنجده يتعلق بشبهات، وقد يجد من زمرة الطارئين على العلم من يؤولها على غير معناها الصحيح، ولربما وقعوا فيمن عناهم الله تعالى بقوله: “فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله”، فيصدون الناس عن المساحة الكبيرة من الحلال والخير، إلى ساحة الشبهات والتعلق بها.
حري بالدعاة والعلماء أن يبصّروا الناس بأهمية العلم وضرورة الحذر في الاستفتاء، وحري بالمفتين والعلماء أن يؤدوا الأمانة على وجهها الصحيح، صحيح أن هناك من يشدد في غير وجه صحيح، وهناك من يهوّن شأن الدين من حيث يدري ولا يدري، والحق لا مجاملة فيه، فهو دين الله.
تصدى لتوجيه الناس على منصات إعلامية أشخاص كثيرون، بعضهم غير متخصص، وهمّه الوقوف عند آيات متشابهات ليشتت عقول الشباب على وجه التحديد، وهذه المتشابهات –كما قلت في مقال سابق- لا يقف عندها ليؤولها التأويل الخاطئ إلا الذين في قلوبهم زيغ كما وصف الله تعالى، والأنكى من ذلك من يأتي ليفسر نصوصا قرآنية ملغيا التراث التفسيري السابق، ونازعا القداسة عن النص القرآني، على أنه كأي نص أدبي يقبل النقد، ويعظمون العقل ويجعلونه فوق النص، وهي منهجية الحداثيين في انقلابهم على التراث كله، حتى على الجديد الذي يحترم التراث، فهؤلاء أسهموا ويسهمون في زعزعة ثقة الناس بدينهم، ويُلبسون عليهم في الفهم، حتى غدت بعض الثوابت بالنسبة لهم فرعيات.
أحدهم –وله جمهوره على إحدى الفضائيات- يتلاعب حتى بثوابت اللغة، فالتدبر والاجتهاد في التفسير مطلوب حث الله عليه، ولكن ليس بالخروج عن أسس متفق عليها ليس عند علماء التفسير فقط، بل في منطق الأشياء، وأهمها لغة القرآن فهو بلسان عربي مبين، ومنها السياق ومقاصد الدين العامة الرئيسة، والقرآن نفسه إذ يفسر بعضُه بعضا أو يشهد بعضه لبعض، وكذلك السنة النبوية الشارحة الموضحة لعموميات القرآن، خاصة في الأحكام العملية التي طبقها النبي صلى الله عليه وسلم، أو صرح بلفظ واضح في معناها أو مجال فهمها.
وأحد هؤلاء –وله عشرات الخطب على الإنترنت وتستضيفه قنوات فضائية- همّه التشكيك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، يستهزئ بالبخاري مثلا، ولو أنه رجع إلى المتخصصين لعرف قدر نقص معلوماته، ولكنها الفتنة، ولكنه العجب بالنفس وحب الشهرة، والجمهور الذي يصفق ويشجع من دون وعي، وهكذا نصنع رموزا مشوّهة.
وأحد هؤلاء له تلاميذه ومريدوه، يعيش معهم في فرعيات من العقيدة فرّقت الناس من قبل، ويحوم حولها منتهجا فكرا تكفيريا بطريقة غير مباشرة، وهو يسب ويقلل من شأن علماء عظام، ويخوض في جزئيات ما عاد الناس يطرقونها، ولكنه يصر عليها، الاستواء والكرسي وحيّز المكان ووحدة الوجود وغيرها من المفرّقات في زمن تحتاج الأمة فيه إلى الوحدة والتجمع ولملمة شعثها والوقوف في وجه أعدائها.
هؤلاء جميعا عبء على الإسلام، عرفوا ذلك أم لم يعرفوا، وأخشى أن يندرجوا في وصف الأخسرين أعمالا إن بقوا على حالهم، لأنهم في واقع الأمر معاول هدم لا بناء، وزين لهم الشيطان كثيرا من أعمالهم.
انظروا عمّن تأخذون دينكم وعلمكم، فليس كل صاحب عمامة عالما، ولا كل ذي لحية فقيها، ولا كل ذي تمتمة بالذكر مخلصا حريصا على الدين والأمة، فالعلماء والدعاة لهم سيماهم، ويشهد فعلهم لقولهم، وحالهم أبلغ من مقالهم، يعيشون بالله وفي الله ومع الله، ربانيون، همّهم أمتهم والعالم كله، غير متقوقعين على مصالحهم الخاصة، ولا يبيعون دينهم بعرض من الدنيا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock