ترجمات

إهانة الإسلام: عرض إضافي لـ”شارلي إبدو”

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لورانس دافيدسون* – (كاونتربنتش) 16/11/2020
في منتصف تشرين الأول (أكتوبر) 2020، قرر معلّم مدرسة فرنسي، صموئيل باتي البالغ من العمر 47 عامًا، أن يري طلبته في صف حرية التعبير رسوماً كاريكاتورية تحط من قدر النبي المؤسس للإسلام، محمد. وكانت هذه الرسوم هي نفسها التي كانت قد نشرتها في الأصل المجلة الساخرة “شارلي إبدو” (شارلي الأسبوعية) في 2014-2015. وفي ذلك الوقت، أدت تصرفات المجلة إلى مقتل اثني عشر شخصا من موظفيها، بمن فيهم المحرر ستيفان شاربونييه. وارتكب جرائم القتل تلك متطرفون إسلاميون مرتبطون بتنظيم القاعدة. واتضح أن مصير صموئيل باتي كان مشابهاً. فبعد وقت قصير من عرض الرسوم الكاريكاتيرية لمؤسس الإسلام، قُتل المعلم على يد مهاجر مسلم يبلغ من العمر 18 عامًا. وأعقبت ذلك هجمات أخرى.
في جميع هذه الحالات، كانت عمليات القتل قد نجمت عن استفزاز بقدر ما هي غير قابلة للدفاع عنها. من السهل كثيراً تفسير الرسوم الكاريكاتورية المعنيّة على أنها إهانات غير مبررة للإسلام، وبالتالي ضد ما يقرب من 9 في المائة من سكان فرنسا من المسلمين. ومع ذلك، فإن القتل يتعارض مع استقرار المجتمع. وبما أن هذه الحقيقة الأخيرة صحيحة للوهلة الأولى، فإن السؤال التالي هو، أي بدائل كانت متاحة لأولئك الذين كانوا يشعرون/ والذين يشعرون الآن بالاشمئزاز من رسوم “شارلي إبدو” الكاريكاتيرية؟ تم رفع دعاوى ضدها ممارسة التشهير بشكل متكرر. وما يزال بعض تلك الدعاوى جاريًا. ومع ذلك، حتى الآن لم توقف أي منها الطرق المهينة التي تعتنقها المجلة. وقد تنجح الاحتجاجات العامة المنظمة جيدًا -إلى جانب الضغط السياسي المستمر على المدى الطويل. وربما كانت حقيقة أن مثل هذا الجهد لم يكن وشيكًا -ليس بطريقة متسقة على الأقل- هي التي جعلته مهملاً بالنسبة للمتعصبين الأفراد المدفوعين عاطفياً.
بالمناسبة، تشكل “شارلي إبدو”، بعلامتها التجارية الخاصة من التعصب، ما يمكن أن تسميه “تشهيراً مع تكافؤ الفرص”. فقد صوّر عمل المجلة مواضيع تتراوح من الكنيسة الكاثوليكية إلى الإيطاليين الذين قتلوا في الزلازل، بطريقة بغيضة -وأحيانًا شبه إباحية. وكما هو واقع الحال، فإن الحق في نشر الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة من دون مبرر ليس قانونيًا فقط في فرنسا، وإنما يجري، بسبب كل أعمال العنف ذات الصلة، الدفاع عنه الآن باعتباره تعبيرًا مهمًا عن الثقافة الوطنية الفرنسية. ولتوضيح هذه النقطة، أعلن المسؤولون الفرنسيون عن نيتهم نشر كتيب يتضمن صور “شارلي إبدو”. وسيتم “تسليم هذا الكتيب إلى طلاب المدارس الثانوية كالتزام بالدفاع عن قيم الجمهورية”.
فخ
القيمة المشار إليها في الكتيب هي حرية التعبير. وكما قال شاربونييه في مقابلة في العام 2012، “لا يمكننا أن نعيش في بلد من دون حرية التعبير. أفضّل أن أموت على أن أعيش مثل الفئران”. وبطبيعة الحال، أصبح من الواضح الآن أن تصميم شاربونييه الحماسي على تجنب مصير القوارض، واحتضان أمته للفظاظة كرمز لحرية التعبير، أديا بفرنسا إلى الوقوع في فخ. وإليكم كيف عبر البروفيسور بيير هنري تافويلو من جامعة السوربون عن ذلك: “إن ما هو على المحك الآن هو علمانية فرنسا -العلمانية التي تكمن وراء ثقافتها. إذا تنازلت الأمة عن العلمانية في هذه الحالة، فإن هذا المبدأ الثقافي يمكن كثيراً أن ينهار”. وهكذا، يبدو أن رفض التفكير في طريقة متوازنة للخروج من المأزق الذي يصنعه هذا الموقف يدفع الفرنسيين إلى زاوية بينما يربطون الثقافة بشكل صريح برسوم كاريكاتيرية شبه إباحية في أغلب الأحيان.
وللفخ أبعاد أخرى عديدة أيضاً. فقد أثار الحماس الفرنسي لمجلة “شارلي إبدو” نزعات كراهية الإسلام ودفع الآخرين إلى استغلال الموقف للدفاع عن تقييد الحقوق المدنية. ويعتقد وزير الداخلية الفرنسي أن البلاد “في حالة حرب ضد عدو في الداخل والخارج”. وفي حين أنه من الصحيح أن 5.7 مليون مسلم في البلاد (أعلى رقم في أي دولة غربية) يتعرضون للمزيد من العزل والخوف، فإن الغالبية العظمى منهم مسالمون. ومع ذلك وُضِعوا جميعًا تحت الاشتباه في كونهم إرهابيين. والآن، يدعو عمدة نيس إلى “تعديل الدستور” حتى تتمكن الأمة من “شن حرب بشكل مناسب ضد المتطرفين الإسلاميين”. وأعلن الرئيس ماكرون عن حملة قمع واسعة النطاق ضد “الأفراد والمنظمات الإسلامية”. ويشمل ذلك إغلاق منظمات الحقوق المدنية الفرنسية الإسلامية ومدارس تعليم اللغة العربية.
كما أدت هذه القضية برمتها أيضًا إلى دخول فرنسا في صراع مع السكان المسلمين والحكومات المسلمة في جميع أنحاء العالم. وفي الوقت الحاضر، تتبادل الحكومتان الفرنسية والتركية الإهانات. وفي بنغلاديش، شارك 40 ألف شخص في مظاهرة مناهضة لفرنسا ودعوا إلى مقاطعة البضائع الفرنسية. وتمت إزالة البضائع الفرنسية من رفوف المتاجر في قطر والكويت.
التبريرات
سوف يخبرك الفرنسيون أن أسلوبهم في التعبير الحر ولد في العنف: في غمرة “القضاء على سلطة الملكية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية” خلال الثورة الفرنسية. وفي وقت لاحق، صدر قانون فرنسي في العام 1905 جعل الإيمان مسألة خاصة تمامًا والعلمانية هي القاعدة في المجال العام. ولا عيب في هذا الترتيب. ومع ذلك، فقد الفرنسيون على مر السنين الفطرة السليمة فيما يتعلق بهذا القانون وفشلوا في أن يكونوا متسقين في نهجهم تجاه الدين. فمن ناحية، تسببت العلمانية في أن يرى بعض الرجال والنساء الفرنسيين الدين كنظام عقائدي لا يجب أن يؤخذ على محمل الجد. ويُنظر إلى انتقاد الدين على أنه “حق عزيز”. ومن ناحية أخرى، أدى التاريخ الحديث إلى أن تكون الحكومات الفرنسية حساسة للغاية حتى لأدنى إشارة إلى معاداة السامية (التي تعد عملاً غير قانوني في فرنسا). وباستثناء هذه الحالة، غالبًا ما تُنسى مسألة أنه لا ينبغي لأحد أن ينتقد شخصًا لمجرد أنه ملتزم دينياً.
على هذه الخلفية، تم الإبقاء على المسلمين الفرنسيين، الأكثر تديناً بين سكان فرنسا، خارج الحسبة. ويبرز أولئك الذين يحتفظون بزيهم التقليدي وطرقهم منهم على أنهم غرباء، ولم يكن الاندماج سهلاً حتى بالنسبة لأولئك المسلمين الذين يرغبون في ذلك.
وسوف يخبرك الفرنسيون أيضًا بأن فن الكاريكاتير هو “تقليد قديم يمثل جزءًا من ديمقراطيتنا”. ويطرح المسلمون الفرنسيون الحجة القائلة إنه “يجب أن تكون هناك حدود للسخرية المسيئة (في شكل كاريكاتير مهين) عندما يتعلق الأمر بالمعتقدات الدينية”. ويقولون إن السبب في ذلك هو أن مثل هذه الهجاء “يغذي التطرف”. وبالنسبة لملايين المسلمين الفرنسيين، يشير هذا إلى أن “الرسوم الكاريكاتيرية التي تضع نبيًا أساسيًا لملايين المؤمنين في مواقف موحية ومهينة” يجب ألا تندرج ضمن حق المرء في أن يكون ساخراً.
يمكن للمرء بالطبع أن يجادل في مسألة الرقابة. تهدف حقوق حرية الكلام/ التعبير صراحة إلى حماية التعبير الذي قد لا نوافق عليه. ومن ناحية أخرى، تفرض كل المجتمعات بعض القيود على الكلام -لا يمكنك أن تصرخ بأن هناك حريقاً في مسرح مزدحم. فمن هو الذي يقرر متى أو ما إذا كان يجب أن تكون هناك قيود مشروعة على حرية الكلام/ التعبير؟ ماذا عندما يؤدي مناخ ما إلى عمليات قتل متعددة وانهيار علاقات خارجية ستكون بخلاف ذلك ودية؟ في ظل هذه الظروف، هل يمكن التحايل لحل مثل هذه القضايا المتنافسة من خلال تحكيم الفطرة السليمة؟ قد يكون العرض الصارخ لمثل هذا “الفن” كما مارسته “شارلي إبدو”، ناهيك عن تقديمه كحجر زاوية للثقافة الفرنسية، قضية من هذا النوع.
الخلاصة
كم عدد الثقافات التي تجعل من الوقاحة رمزاً للتميز الثقافي؟ لا تبدو هذه ممارسة شائعة. ومع ذلك، فعل الفرنسيون ذلك في هذه الحالة. وهو ما لم يجلب لهم أي شيء سوى المشاكل في الداخل والخارج.
تكمن مشكلة الموقف الفرنسي الحالي في أنه يعطي مجالًا واسعًا للأشخاص الذين لا يهتمون كثيرًا -أو لا يهتمون على الإطلاق- بالوعي الثقافي. وقد بدا ستيفان شاربونييه، محرر تشارلي إيبدو المقتول، غير مهتم بالعواقب الثقافية الحقيقية التي تترتب على ممارسته الشخصية للحرية. وفي الحقيقة، كان شخصاً متطرفًا أصر على إهانة دين يضم 1.8 مليار معتنق، الغالبية العظمى منهم من أهل السلام. ونظرًا لأنه لم يعرف حدودًا لحريته بحيث كانت مهينة بوحشية، فقد أدى سلوكه إلى تنشيط عدد صغير من المتطرفين المسلمين المستعدين لأن يكونوا أكثر وحشية من شاربونييه نفسه. وأدى هذا إلى موته العنيف. وقد أصبح بعد وفاته رمزًا ثقافيًا فرنسيًا -في تجاهل تام للطبيعة المتطرفة لسلوكه والتطرف المضاد الذي قدح زناده.

*Lawrence Davidson: أستاذ التاريخ بجامعة ويست تشيستر في ويست تشيستر، بنسلفانيا.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Insulting Islam: an Encore for Charlie Hebdo

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock