ترجمات

إيران تستطيع أن تمارس اللعبة الطويلة

كينيث بولاك* – (ريل كلير وورلد) 9/1/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ردت إيران على مقتل اللواء قاسم سليماني بالضبط كما قالت إنها ستفعل -بتوجيه ضربة عسكرية علنية ضد زوج من الأهداف العسكرية الأميركية. وفي حين أن الضربة كانت سطحية وغير مؤلمة في معظمها للولايات المتحدة، فإننا لا يجب أن نفترض أن انتقام إيران قد انتهى. وهناك مجموعة متنوعة من الوسائل التي يمكن لإيران أن تستخدمها مع الوقت لتحقيق الانتقام الحقيقي لموت سليماني. ويمكن أن تلحق طهران ضرراً حقيقياً بالولايات المتحدة ومصالحها في السنوات القادمة.
يغلب أن لا تكون استجابة إيران الوديعة قد أشبعت الرغبة في الانتقام التي شعر بها الكثير من الإيرانيين الغاضبين، وخاصة أولئك من بين كبار القادة في طهران. وعلاوة على ذلك، ربما يكون مقتل سليماني قد أحدث أثراً على السياسة الداخلية لإيران. فقد كان المتشددون الإيرانيون في صعود مسبقاً نتيجة لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من الصفقة النووية وفرض عقوبات مقعِدة على إيران، وسوف يعمل مقتل سليماني على تسريع صعود هؤلاء المتشددين فحسب.
وربما تكون وفاة سليماني قد غيرت المنظور الاستراتيجي لإيران بطرق مهمة أيضاً، وهو ما ظهرت بعض من تجلياته فعلياً منذ الاغتيال. وبلا شكل، أدى حرص الرئيس دونالد ترامب على أن يُنسب إليه الفضل في توجيه الضربة الأميركية -التي دفعت قيادة إيران إلى زاوية غير ضرورية وأجبرتهم على الانتقام علانية- إلى تعزيز تصور طهران له بأنه ساذج ومتهور، بحيث يشكل بالتالي تهديداً خطيراً للبلد.
أما وأن المطالب باستعادة الشرف الوطني تحققت (بالكاد) من الضربة الإيرانية، فيجب أن نتوقع من إيران أن تعود إلى طريقة عملها السرية المفضلة. وعلى وجه الخصوص، يجب أن نتوقع من إيران أن تتبع أربعة مسارات عمل على الأقل، سواء لانتزاع ثأر أكثر معنى لمقتل سليماني أو لمتابعة مصالحها في الظروف الاستراتيجية الجديدة التي أوجدتها الضربة الأميركية.
الأشهر المقبلة
أولاً، يجب أن نكون مستعدين لقيام الإيرانيين بإطلاق العنان للمزيد من الإرهاب أو الهجمات الإلكترونية ضد الولايات المتحدة وحلفائها في جميع أنحاء المنطقة، وربما في أي مكان آخر في العالم. وتمتلك إيران عضلات إرهابية قوية وفطنة متبرعمة في مجال الحرب الإلكترونية. وقد تستغرق مثل هذه الهجمات وقتًا طويلاً قبل أن تتراجع.
ولا ينبغي أن نتفاجأ إذا انفجرت أهداف أميركية (أو حليفة للولايات المتحدة) أو حل فيها الظلام في الأشهر المقبلة. وستفترض إيران أن واشنطن ستعرف مرتكب هذه الهجمات والأسباب التي تقف وراءها، ولكن سيكون من الأصعب على الولايات المتحدة بكثير أن ترد بنفس الحصانة التي يمكن أن تحتفظ بها للرد على هجوم عسكري إيراني كبير.
ثانياً، يجب أن نتوقع من الإيرانيين أن يواصلوا الضغط على وكلائهم وحلفائهم العراقيين لطرد القوات الأميركية من العراق. وقد أراد الإيرانيون مغادرة القوات الأميركية من الشرق الأوسط على مدى 40 عاماً، ولكن قبل مقتل سليماني كان هناك أشخاص في طهران -والذين ربما كان من بينهم سليماني نفسه- الذين جادلوا بأن الوجود المتبقي للقوات الأميركية في العراق يخدم المصالح الإيرانية المباشرة. ولكن، يبدو أن ذلك النقاش قد انتهى الآن. وسوف تدفع طهران بقوة لإخراج القوات الأميركية من العراق، بعد أن خلصت إلى أن وجودها هناك يمكن أن يثير أزمات إضافية وأنه خطير للغاية على إيران.
وبالإضافة إلى ذلك، إذا حزمت القوات الأميركية أمتعتها ورحلت عن العراق، فسوف يصبح من المستحيل فعلياً الحفاظ على وجود عسكري أميركي في سورية. وسيكون إجبار الولايات المتحدة على الخروج من العراق وسورية نصراً كبيراً لإيران وانتقاماً حقيقياً لموت سليماني.
ثالثاً، من المؤكد أن إيران ستواصل شن هجمات ضد حلفاء أميركا في الخليج. وقد حققت طهران نجاحا هائلاً في مهاجمة البنية التحتية السعودية والإماراتية لتصدير النفط. وسوف يؤدي عدم وجود استجابة متسقة من إدارة ترامب إلى دق إسفين بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، وهو نصر كبير لطهران أيضاً.
تداعيات نووية؟
أخيرًا، قد يقرر الإيرانيون إعادة تشغيل برنامجهم النووي بطريقة جدّية، بعد أن أرسوا الآن الأساس الدبلوماسي للقيام بذلك.
إن مقتل سليماني، وخطاب ترامب الجامح حوله، وتذكيره المهين بأنه لا يمكن تحدي القوات المسلحة الأميركية، هي شؤون ذكّرت قادة إيران بضعفهم العسكري. وهذا يعطي ذخيرة للعديد من المتشددين الإيرانيين الذين لطالما أرادوا امتلاك سلاح نووي باعتباره السبيل الوحيد لمنع الولايات المتحدة من إلحاق مثل هذه الإهانات بإيران.
كان من العناصر الحاسمة في قرار الإيرانيين قبول الصفقة النووية للعام 2015 اقتناعهم بأن الولايات المتحدة، بقيادة باراك أوباما، لم تكن لها أي مصلحة في مهاجمة إيران، وبالتالي لم تكن هناك حاجة إلى امتلاك رادع نووي. ومن المرجح أن يكون سلوك ترامب قد عكس هذا التصور الإيراني، مما سيقود أميركا إلى أوقات خطيرة وعصيبة للغاية.

*باحث مقيم في معهد “أميركان إنتربرايز” ومدير سابق لشؤون الخليج الفارسي في مجلس الأمن القومي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Iran Can Play the Long Game

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock