ترجمات

إيران سلمت بايدن للتو أول اختبار لمصداقيته

مايكل نايتس* – (معهد واشنطن) 17/2/2021

يخوض جو بايدن بحق اختباراً مهماً في السياسة الخارجية من منطلق منصبه كرئيس. ويراقب الشرق الأوسط عن كثب طريقة ردّه على الهجوم الذي تعرضت له القوات الأميركية في العراق، على الرغم من أن هذا الترقب مرّ مرور الكرام إلى حد كبير في الولايات المتحدة. في ليل الإثنين، الخامس عشر من شباط (فبراير)، تم إطلاق ما يصل إلى 24 صاروخاً على قاعدة عسكرية أميركية في مطار أربيل الدولي، في عاصمة إقليم كردستان العراق شبه المستقل. وأدى الهجوم، الذي شنّته بشكل شبه مؤكد إحدى الميليشيات المدعومة من إيران، إلى إصابة جندي أميركي وقتل مقاول غير أميركي وجرح خمسة آخرين. كما أصيب ثلاثة مدنيين محليين.
في وقت سابق من هذا العام، كنتُ قد جادلتُ بأن الرئيس الأميركي الجديد قد يواجه مثل هذا التحدي في وقت مبكر من إدارته. فقد أرادت إيران الانتقام لاغتيال قاسم سليماني في مطلع كانون الثاني (يناير) 2020، لكنني ارتأيت أنها بدلاً من استفزاز دونالد ترامب الذي تشارف ولايته على الانتهاء، قد تختار إخضاع بديله للاختبار من خلال الانتظار لما بعد يوم التنصيب. وهذا بالضبط ما حدث. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو، كيف سيرد بايدن.
الجواب المبكر هو: بحذر. يوم الثلاثاء، السادس عشر من شباط (فبراير)، صرَّحتْ السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، جين ساكي، بأن الولايات المتحدة تحتفظ “بالحق في الرد في الوقت والشكل اللذين تختارهما، لكننا سننتظر الانتهاء من التحقيق لمعرفة الجهة المسؤولة أولاً”.
من المهم بالتأكيد إثبات الجهة المسؤولة، لكن ذلك لن يستغرق وقتاً طويلاً. وفي الواقع، لدى خبراء الاستخبارات معرفة جيدة جداً على مَن يقع اللوم. لكن المشكلة الأكثر إلحاحاً حالياً هي إبلاغ إيران بوضوح بالعواقب المترتبة عن التشجيع على شن المزيد من الهجمات.
من قبيل المعجزة أن الهجوم لم يسفر عن وقوع عدد أكبر من القتلى. فقد أصاب اثنان من أصل 24 صاروخاً معسكر التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. ولو كان المزيد من الصواريخ قد أصاب القاعدة الأميركية، لكانت الحصيلة سقوط عدد أكبر من القتلى الأميركيين، كما كان عليه الحال في 11 آذار (مارس) 2020، عندما أدى هجوم صاروخي آخر إلى مقتل جنديين أميركيين وجندية بريطانية في العراق.
لكن معظم الصواريخ التي تم إطلاقها في 15 شباط (فبراير) لم تُصِب المطار، وإنما أصابت المدينة المكتظة بالسكان، والمزدحمة بالأكراد والنازحين العرب والدبلوماسيين الغربيين والعمال الأجانب، فضربت المنازل والمجمّعات السكنية المدنية. ولو أصاب صاروخ واحد فقط أحد المباني الشاهقة في مدينة ذات قدرة محدودة على مكافحة الحرائق، لكان عدد القتلى كارثياً.
في أواخر العام 2019، أدت الحصيلة نفسها لهجمات الميليشيات إلى ضربات متبادلة شهدها العراق في نهاية العام وأسفرت عن مقتل مقاول أميركي، ومحاصرة السفارة الأميركية، ونقل آلاف الجنود الأميركيين إلى العراق. وقتلت أميركا أكثر من ثلاثين عنصراً من الميليشيات المدعومة من إيران، واللواء الإيراني الكبير وخبير التجسس قاسم سليماني. وأطلقت إيران الصواريخ الباليستية على قاعدة أميركية، مما أدى إلى إصابة أكثر من مائة جندي أميركي.
تشكل تلك الحادثة تحذيراً من أنه ما لم يتم التصدي لهجوم أربيل، فلن يكون ذلك آخر استفزازات الميليشيات لإدارة بايدن وإنما مجرد بدايتها. ويجب عكس مسار هذه الدينامية سريعاً قبل أن يتعرض الأميركيون للقتل والتشويه، أو قبل جرّ الولايات المتحدة إلى أعمال انتقامية، أو تعريض مصداقية الولايات المتحدة لضربة جديدة في أعين حلفائها وشركائها في المنطقة.
كما قالت ساكي في 16 شباط (فبراير)، يجب أن تكون نقطة البداية هي معرفة المذنب الفعلي، وبذلك يتسنى لفريق بايدن عذرٌ مرحب به لإبطاء العملية، والاستراحة بعض الشيء، ومراجعة الخيارات. وبما أنني شهدتُ من العمق على عشرات التدريبات الاستخباراتية المماثلة، أعلم أنه ليس من الصعب معرفة منفّذ الهجوم: فالعديد من العوامل تشير بثقة عالية إلى أن “عصائب أهل الحق” المدرجة على قائمة الإرهاب الأميركية والمسؤولة عن مقتل عدد كبير من الأميركيين منذ السنوات التي سبقت الانسحاب الأميركي من العراق في العام 2011، هي التي تقف وراء تنفيذ العملية الأخيرة .
لننظر إلى الأدلة الظرفية المتاحة حتى للمراقب المتمرس الذي لا تتوفر لديه سوى وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وإمكانية الوصول إلى بعض المطّلعين. أمضت الجبهة الإعلامية المسماة “أصحاب الكهف” والتي تديرها “عصائب أهل الحق” معظم يوم 15 شباط (فبراير) في انتقاد إقليم كردستان. ثم (قبل 13 دقيقة من الهجوم الصاروخي) أصدرت رسالة غامضة عبر موقع “تلغرام” هددت فيها كردستان وأربيل. وفي الساعات التي أعقبت الهجوم، استأثرت قناة “صابرين” التابعة لعصائب أهل الحق بتغطية الحادث، مع وصول الجماعات الأخرى إلى المعلومات بشكل أبطأ من هذه القناة.
حين تم تبنّي الهجوم، ولم تعترض عليه جماعات الميليشيات الأخرى، جاء الإعلان من “سرايا أولياء الدم”، وهي هوية إعلامية أخرى تستخدمها “عصائب أهل الحق” أحياناً لتبنّي الهجمات. وبالإضافة إلى ذلك، حددت أدلة ظرفية مماثلة أن “عصائب أهل الحق” هي الميليشيا التي قصفت السفارة الأميركية في بغداد في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) و25 كانون الأول (ديسمبر)، ونفذت الهجوم الأخير على أهداف أميركية في أربيل في 30 أيلول (سبتمبر).
بالنسبة لأولئك الذين يعملون داخل النظام ويتمتعون بحق الوصول السري إلى استخبارات التنصت، ستصبح الدلالات المؤدية إلى إدانة عصائب أهل الحق حتى أكثر وضوحاً بسرعة. وسواء اختاروا السماح للعالم الخارجي بمعرفة هذه الدلائل، فهذه مسألة أخرى.
ومثل هذه الأدلة ستعطي أيضاً فكرة عما إذا كانت إيران هي من أمرت بتنفيذ الهجوم، أو لم تكن على علم به، أو ببساطة لم تهتم به. وفي حالة عصائب أهل الحق، اعتادت الجماعة على مهاجمة الأميركيين من أجل تعزيز مكانتها وهيبتها، من دون الحاجة إلى موافقة صريحة من طهران. ولكن، حتى لو لم يكن هجوم أربيل محاولة إيرانية لاختبار مصداقية بايدن، فقد أصبح اختباراً لهذه المصداقية على الفور. وبناءً على تركيزي الوثيق على “عصائب أهل الحق” والميليشيات العراقية الأخرى، أشك في أن تكون إيران هي المحرك لهجوم أربيل، لكنني أعرف على وجه اليقين أن إيران قد تحذر الجماعة من الإقدام على أي هجمات مستقبلية من هذا النوع، إذا كانت دوافع طهران سليمة.
في المقابل، يتطلع فريق بايدن إلى خطوة دبلوماسية أولى بدلاً من اللجوء الفوري إلى شن ضربات عسكرية أو فرض عقوبات جديدة. و الخطوة الذكية في هذا الشأن هي تنبيه طهران مباشرة إلى أن الولايات المتحدة تتوقع من إيران كبح جماح جميع وكلائها فيما يتعلق باتخاذ خطوات مخلة بالاستقرار مثل هجوم أربيل أو هجوم 23 كانون الثاني (يناير) على العاصمة السعودية، الرياض، والذي تم إطلاقه أيضاً من العراق. ومن شأن هذه الرسالة أن تنبّه الحرس الثوري الإسلامي الإيراني إلى أن أميركا لا تنخدع بالمظاهر، بل تعرف خير معرفة نفوذ طهران على الميليشيات المعادية لأميركا.
على وجه الخصوص، يجب على فريق بايدن تحذير إيران علناً من أنه في حالة مقتل أو إصابة أميركي آخر في العراق أو أي منطقة أخرى في الخليج، فستعلّق إدارة بايدن الجهود لاستئناف المفاوضات النووية. وسيكون النهج الصارم والواضح وحده هو الذي يحمي الجنود الأميركيين العاملين على الخطوط الأمامية للحرب ضد تنظيم “داعش” أو أولئك الذين يحمون المصالح الأميركية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وقد يتم تحديد فترة تقييم يتم خلالها منح إيران الوقت للتقليل من أنشطة شركائها من الميليشيات في لبنان وسورية والعراق واليمن.
قد يبدو من غير المنطقي معالجة تهديد الميليشيات قبل بذل جهد أكبر لمنع إيران من تطوير قنبلة نووية، ولكن كيف يمكن لرئيس أميركي أن يجلس ويتفاوض مع حكومة إيرانية تشجع، سواء بشكل ضمني أو فاعل، محاولات قتل الأميركيين؟ من الأفضل، بالتأكيد، وضع شروط بصورة غير علنية للمحادثات الجديدة مع إيران بشأن تهدئة واضحة للميليشيات المدعومة من إيران في الشرق الأوسط -وهي خطوة دبلوماسية أولى غير قاتلة لحماية الأميركيين وشركاء الولايات المتحدة في جميع أنحاء المنطقة.
وإذا فشلت إيران في كبح جماح وكلائها، يجب ألا تبتعد إدارة بايدن عن إظهار القوة ذات المصداقية والقابلة للقياس. ومن الواضح جداً، كما يتضح من الهجوم في أربيل، أن الميليشيات المدعومة من إيران لا تخشى إدارة بايدن ولا تحترمها بنفس الطريقة التي اتبعتها مع إدارة ترامب. وهذه حالة خطيرة يمكن أن تؤدي إلى سوء تقدير ووفاة أميركيين.
إذا أرادت الولايات المتحدة استعادة قوة الردع، عليها البحث عن خيارات كفيلة بزعزعة ثقة قيادة “عصائب أهل الحق”، على غرار “اصطدام وشيك” بطائرة مسيّرة أو هجوم سري على موقع قريب من مكان تواجد رئيسها، قيس الخزعلي، أو اختراق واضح لاتصالاته الشخصية وأمن حاسوبه. وإذا أراد فريق بايدن التمييز بين نهجه ونهج الإدارة السابقة، فطريقة التفكير هذه “خارج المألوف” أصبحت اليوم مطلوبة أكثر من أي وقت مضى.

*زميل برنشتاين في معهد واشنطن. نُشر هذا المقال في الأصل على موقع “بوليتيكو” الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock