ترجمات

إيران ممزقة بين أرمينيا وأذربيجان

بونوا فيلو* – (أوريان 21) 15/10/2020

يثير استئناف النزاع في ناغورني قره باغ قلق السلطات في طهران. فعلى الرغم من كون إيران بلداً مسلماً مثل أذربيجان، فإنها حليف وشريك تقليدي لأرمينيا. ويتحمس السكان في المقاطعات الأذرية في البلاد لصالح أذربيجان. وتتخذ إيران نهجاً حذراً من خلال اقتراحها الوساطة تجنبا لتأجيج حرب لن تكون بلا عواقب على البلد.

  • * *
    أثارت عودة الاقتتال إلى إقليم ناغورني قره باغ في 27 أيلول (سبتمبر) 2020 المتنازع عليه بين جمهورية أذربيجان والقوات المحلية المدعومة من جمهورية أرمينيا منذ 1991، وبشكل طبيعي، ردة فعل القوى الكبرى المجاورة. وإذا كانت تصريحات القادة الروس والأتراك تتصدر عناوين الصحف منذ بداية النزاع، فإن الجارة الإيرانية تبدي تحفظا أكبر، ولا تدلي بالكثير من التعليقاً. ولكن، لا يمكن اعتبار جمهورية إيران غريبة تماما عن نزاع يدور عند حدودها ويشكل تهديدا لأمنها. فمنذ بداية النزاع، تشعر طهران بالقلق من احتمال تواجد قوات أجنبية أو مرتزقة على الجانب الآخر من حدودها، فضلا عن ضرورة حماية البنى التحتية والسكان المحاذين للحدود. وقد سقطت في الأراضي الإيرانية مسبقاً قذائف هاون قادمة من المنطقة وراء “آراس”؛ النهر الذي يشكل الحدود بين إيران والقوقاز.
    شراكة مميزة في مجال الطاقة
    مع ذلك، يبدو موقف طهران واضحا وإن شابته مفارقة. فبدلاً من تقديم المساعدة لأذربيجان المسلمة (ذات الأغلبية الشيعية) والتي اختارت الشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية، تظهر الجمهورية الإسلامية منذ 1992 كحليف كبير لأرمينيا؛ حيث وفرت، على سبيل المثال، طريق إمداد خلال الحرب وبعدها للجمهورية الصغيرة المحاصرة.
    كثيرا ما يذكر المحللون هذه الشراكة المميزة بشكل خاص في قطاع الطاقة -إذ تزود طهران أرمينيا بالغاز، وتوفر إيرفان الكهرباء التي تنتجها محطتها النووية بمت سامور- كشاهد على براغماتية السلطات الإيرانية المستعدة لتغليب المصلحة الوطنية على التضامن الإسلامي. فالخطاب المدافع عن المسلمين المضطهدين الذي تتميز به الجمهورية الإسلامية، والغزير بشأن فلسطين وكشمير أو الروهينغا، يتجاهل قضية ناغورني قره باغ. ومع ذلك، يجب أن لا يكون هذا الحكم قطعيا بالنظر إلى التطورات الأخيرة. ففي يوم 6 أيلول (سبتمبر) 2020، أكدت إيران -بعد عشرة أيام من بداية القتال- حيادها وتمسكها بالوحدة الترابية لأذربيجان، وهو ما يمثل فعليا موقفا داعما لباكو.
    دفء في العلاقات الإيرانية الأذربيجانية
    الصداقة الإيرانية-الأرمينية حقيقة لا يمكن إنكارها، ولو كانت بتأثيرات محدودة جدا. ففي العام 2017، لم تتلق أرمينيا سوى 0.45 % من الصادرات الإيرانية. في حين أن التبادلات التجارية بين إيران وأذربيجان أكثر حيوية بشكل طفيف دون أن تصل إلى قمة: 0.70 % من الصادرات الإيرانية في 2017.
    تسعى إيران، منذ بضعة أعوام إلى إقامة روابط مع جمهورية أذربيجان التي كانت لها معها علاقات متوترة منذ الاستقلال في 1991. وسواء تعلق الأمر بقيام إيران بتوظيف الجماعات الإسلامية، أو قضية الأقليات الأذرية في إيران، أو الخلاف حول تحديد الحدود البحرية في بحر قزوين، والاستعراضات العسكرية المبهمة من الطرفين، أو حلقات أخرى أكثر غرابة (مثل طلب طهران من باكو إلغاء تنظيم مسابقة الأغنية الأوروبية “المنحلة” في العام 2012، والتي رأى فيها الملالي “مهرجانا للمثليين”)… فإن أسباب التوتر كانت وفيرة بين الطرفين. وقد انتهت هذه التوترات التي لم تصل أبدا إلى مواجهات خطيرة إلى مرحلة ذوبان الجليد خلال أعوام العشرية الأخيرة.
    جرت في عهد الرئيسين أحمدي نجاد وحسن روحاني مساع لتحسين العلاقات مع أذربيجان. كما يسعى الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، من جهته إلى تنفيذ سياسة خارجية متوازنة ومستقلة، ويصبو إلى مضاعفة الروابط مع القوى المجاورة في سياق فقدان طفيف للنفوذ الأميركي، الحليف الرئيسي للبلاد في عهد والده حيدر علييف. وعمل إلهام علييف على توسيع مجال التعاون الأذربيجاني-الإيراني في مجال الأمن (تم التوقيع على معاهدة عدم اعتداء العام 2005)، والطاقة (قام إلهام علييف والرئيس أحمدي نجاد بتدشين خط أنابيب غاز العام 2005 يسمح بتزويد نخجوان بالغاز الإيراني)، وكذلك في مجال التجارة.
    مظاهرات في أذربيجان إيران
    يمكن الحديث إذن عن صداقة جديدة، وإن كانت متحفظة، بين البلدين اللذين يضمان أغلبيات شيعية، لكنها صداقة تتمتع بحفاوة أقل من الصداقة الإيرانية-الأرمينية. وتتخذ إيران في نزاع 2020 موقف الحياد، طارحة نفسها كوسيط ومؤكدة على أنها تعمل على خطة لإنهاء الأزمة. ولكن يبدو أن صورتها كحليف ثابت لأرمينيا لا تفارقها، ما يسبب مشاكل للجمهورية الإسلامية حتى داخل حدودها. ويبدو سكان أذربيجان الإيرانية، التي لم يسبق وأن كان فيها وعي قومي ورغبة في الحكم الذاتي بهذه الحدة، متحمسين أكثر فأكثر للنزاع في ناغورني قره باغ -تشهد على ذلك مظاهرات أوّل تشرين الأول (أكتوبر) التي جمعت بضعة آلاف من الأشخاص في أهم مدن أذربيجان الإيرانية، وكذلك في طهران، حيث رُفع مطلب غلق الحدود مع أرمينيا باعتبارها نقطة المرور المشتبهة للأسلحة والمعدات العسكرية القادمة من روسيا.
    في هذا السياق، تشكل سمعة إيران الملتصقة بها كعدوة لأذربيجان مصدراً لتوترات داخلية قد توقظ الرغبات الانفصالية، أو حتى التوترات العرقية المضرة. ففي بعض الصور التي تظهر في وسائل الإعلام التركية عن مظاهرات أول هذا الشهر، تمكن رؤية متظاهرين وهم يحرقون علم جمهورية أرمينيا.
    وهكذا، فإن المعلومات التي تقول إن حوالي 80 شركة إيرانية تستثمر في اقتصاد ناغورني قره باغ، أو حادثة الفيديو الذي نشر في نيسان (أبريل) والذي يظهر شاحنات إيرانية تمر نحو ناغورني قره باغ، لم تنل رضا السلطات الإيرانية وكانت محل نفي رسمي. لكنَّ ما أشعل التوتر في الأيام الأخيرة في أذربيجان الإيرانية هو مقاطع فيديو تظهر مرور شاحنات عسكرية مغطاة (وبالتالي ذات حمولات غامضة) في نور دوز، على الحدود الإيرانية الأرمينية. ومع ذلك تنفي طهران إرسال أي مساعدة عسكرية لأرمينيا.
    أصوات متنافرة من قلب السلطة
    غير أن أصواتا متنافرة من داخل السلطة الإيرانية، بل وحتى من الدوائر الأقرب من المرشد خامنئي، بدأت تُسمع. ففي الأوّل هذا الشهر -أي يوم تنظيم المظاهرات- أصدر ممثلو آية الله خامنئي للمقاطعات الأذربيجانية الأربع (أذربيجان الغربية، أذربيجان الشرقية، أردبيل وزنجان) بيانا مشتركا شددوا فيه على ضرورة إعادة إقليم ناغورني قره باغ إلى أذربيجان. ويستند هذا التصريح إلى القانون الدولي وإلى الأخلاق والأخوة الإسلامية، ويؤكد كون مبادئ القرآن الكريم، وفلسفة الدفاع عن المستضعفين في الجمهورية الإسلامية، تفرض عليهم دعم ومساعدة جمهورية أذربيجان في كفاحها.
    وليست مثل هذه التصريحات بجديدة. فقد ذكَّر آية الله عاملي من أردبيل، مثل سلفه آية الله الموسوي الأردبيلي في الماضي، بضرورة احترام التضامن الإسلامي في نزاع ناغورني قره باغ. ومن جهة أخرى صرّح القائد السابق لحرس الثورة الإسلامية في العام 2013 أنه سمح بتدريب مقاتلين من الجمهورية الأذربيجانية على التراب الإيراني، فضلا عن إرسال مقاتلين إيرانيين وعتاد عسكري إلى الجهة الأخرى من الحدود.
    والمدهش أن مصطلح “جمهورية أذربيجان” لم يُستعمل، حيث تم ذكر الجارة الشمالية باسم “أذربيجان”. مع أنه من عادة الرسميين الإيرانيين التمييز بوضوح بين “جمهورية أذربيجان” والمقاطعات الإيرانية التي تحمل اسم أذربيجان حتى لا يكون هناك لبس، وتأكيد وجود حدود سياسية ومؤسساتية (وحتى ثقافية) بين المنطقتين. ويمثل استعمال مصطلح “أذربيجان” العام للإشارة إلى البلد الذي تحكمه باكو موقفا، هدفه بلا شك إرضاء الرأي العام الأذري المتحمس أكثر فأكثر للنزاع.
    يبدو أن على السلطات الإيرانية أن تكون حذرة. فمن جهة، يجب أن لا تهدد شراكتها الاستراتيجية مع أرمينيا، ومن جهة أخرى يتعين عليها خلق ظروف أفضل لزيادة التعاون مع باكو وأخذ الشعور بالتضامن الوطني لأذريي إيران بعين الاعتبار.
    تفضل إيران اتخاذ موقف معتدل وتصالحي، في حين يُسمح، على هامش السلطة المركزية، بخطابات تضامنية مع جمهورية أذربيجان. وتحاول هذه الخطابات في آخر المطاف الاستحواذ على الخطاب القومي الأذري مع تحويره؛ أي جعله متوافقا مع الإطار المفاهيمي للجمهورية الإسلامية: التضامن مع أذريي الشمال هو شأن شيعي قبل أن يكون عرقيا. ويشير التصريح المذكور أعلاه إلى أن أذربيجان هي “بلاد أهل البيت” والذين يعنون في الفقه الشيعي الرسول ونسله من الأئمة الذين يجلهم الشيعة.
    وسيط للخروج من الأزمة؟
    وهكذا، يمثل نزاع ناغورني قره باغ تحديا نسبيا لإيران، ولكنه أيضا فرصة لتجديد نفسها. فهو قبل كل شيء تهديد لأمنها وأيضا مصدر للاضطرابات الداخلية. ولذلك أكدت إيران رسميا حيادها وتمسكها بوحدة تراب جمهورية أذربيجان (وفقا لمعايير القانون الدولي)، كما تسعى إلى تقديم نفسها كوسيط ممكن لبلدان تشاركها الثقافة، محاولة بذلك محو صورة الحليف الأساسي لأرمينيا الذي يبدو شيئاً يصعب حمله.
    ويسمح اقتراح الوساطة أيضا للجمهورية الإسلامية بتقديم صورتها كدولة معتدلة (بعيدة عن تلك التي ظهرت بها خلال الأشهر الأخيرة) متمسكة بالاستقرار، على عكس تركيا التي اتهمها مسؤول إيراني كبير بـ”صب الزيت على النار”.
    وهكذا تسمح السلطة بالتعبير على هامشها عن خطابات مؤيدة لأذربيجان، لغرض استرجاع الرأي العام الأذربيجاني. وهي ظاهرة نمطية في آخر المطاف للجمهورية الإسلامية التي سعت خلال الأعوام الأخيرة إلى توجيه تعبير الخطابات المنشقة، سواء كانت مرتبطة بالموضوع الديني (السنة في كردستان وبلوشستان 4) أو العرقي (الأذريين) من خلال تبنيها وتكييفها مع إطارها المفاهيمي والإيديولوجي. أما بخصوص دور الوساطة المحتمل في النزاع، فيتعين الحذر. فالمحاورون الرئيسيون في النزاع هم الذين يشتركون في رئاسة مجموعة مينسك؛ أي روسيا وفرنسا والولايات المتحدة. ويبدو أن فرص تدخل إيران في مجال المفاوضات ضئيلة، ولكنها ليست منعدمة. فبعد أحداث تموز (يوليو) 2020، انتقد الرئيس علييف بشدة “تقاعس” مجموعة مينسك في مواجهة ما اعتبره عدوانا أرمينيا. وبناء على علاقتها المميزة مع أرمينيا، يمكن أن تكون إيران بالنسبة لباكو محاورا متميزا للخروج من الأزمة.
    ولا تتوانى الجمهورية الاسلامية في انتقاد عدم فعالية مجموعة مينسك. وعلى سبيل المثال، لا يتردد علي ولاياتي، مستشار المرشد الإيراني للشؤون الخارجية، في التأكيد أن لإيران، بحكم قربها الجغرافي والثقافي من البلدين، شرعية أكبر من فرنسا للعمل على الخروج من الأزمة.

*أستاذ في الفلسفة

انتخابات 2020
12 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock