ترجمات

إيران وقنبلة إسرائيل النووية

لوران زشيني – (لوموند)

ترجمة: مدني قصري
حققت إسرائيل مؤخرا انتصارا مرحليا: فقد نُشر تقريرُ الوكالة الدولية للطاقة النووية حول البرنامج النووي العسكري الإيراني، في مناخ عالمي مهيأ نفسيا لتقبل ضربات عسكرية إسرائيلية محتملة ضد المنشآت الإيرانية.
وإذا تعلق الأمر بتشديد العقوبات على إيران، فسيكون من الخطأ استنتاج أن الإصرار الإسرائيلي الذي يندرج في سياق منطق “مذهب بيغن” غير حقيقي ومجرد مخادعة. فبإعطائه الأمر للطيران الإسرائيلي بضرب المفاعل النووي العراقي “أوزيراك”، يوم 7 حزيران (يونيو)، كان نائب رئيس الوزراء مناحيم بيغن قد استعرض مبدأ استراتيجيا مفاده أن “إسرائيل سوف تفعل كل شيء لمنع بلدان المنطقة من الحصول على أسلحة نووية”. وهذا المبدأ تحديدا هو الذي تم تطبيقه يوم 6 أيلول (سبتمبر) 2007، عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية الموقع النووي السوري في دير الزور أيضاً.
وفيما يصطدم إغراء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتطبيق هذا المبدأ على إيران بتحفظات قوية في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، فإن ثمة أمرين يفرضان نفسيهما: لم يحصل بيغين أيضا على الدعم من قبل المصالح الاستخباراتية لدى ضرب مفاعل العراق. وقد قُصف المفاعل “أوزيراك” العراقي، لكنه كان انتصارا على طريقة “الانتصار البيروسي” (إشارة إلى النصر الذي يكلف أكثر مما يستحق)، لأن هذه العملية بالذات هي التي حرّضت صدام حسين على الشروع، وبكثافة، في تطوير برنامجه النووي.
لا شك أن الجدل القائم حول منع خطر السلاح النووي، القادم من إيران، هو جدلٌ مشروع لو أنه لم يكن يطمس حقيقة السلاح النووي الإسرائيلي. وفي النهاية، ليست “القنبلة” الإيرانية سوى دُمية صغيرة مقارنة بترسانة إسرائيل النووية؛ لأن إرادة الدولة اليهودية في إلغاء كل منافسة نووية في المنطقة هي التي تحثها على التفكير في مغامرة عسكرية غير مؤكدة في إيران.
ما دامت إمكانية وصول إيران إلى “عتبة السلاح النووي” قد أصبحت أمرا واردا، فإن مسألة تزوّدها بالقنبلة الذرية التي سيتعين عليها أن تتعايش مع أنموذج “الغموض النووي” المتمثل في إسرائيل، هي مسألة سوف تطرح نفسها بالضرورة. وفي انتظار ذلك، يظل قادة إسرائيل يرددون، كلما دعت الضرورة إلى ذلك، لازمتهم المعتادة: “لن تكون إسرائيل أول دولة تُدخل الأسلحة النووية إلى الشرق الأوسط”.
وأفضل وسيلة لاحترام هذا الوعد هي سياسة “الغموض النووي”، وهي ثمرة الاتفاق الإسرائيلي الأميركي الذي يعود تاريخه إلى شهر أيلول (سبتمبر) 1969. فطالما لم تعترف إسرائيل بامتلاكها للسلاح النووي، فسيظل أمرُها كذلك، ولن تفعل الولايات المتحدة شيئا لكشف التعتيم النووي الذي يلف هذا السلاح. وفي واقع الأمر، كانت الحكومات الأميركية المتعاقبة وشركاؤها الأوروبيون، يقبَلون دوما بقناعات بن غوريون الذي كان يرى في السلام النووي للدولة العبرية “صمام أمان” لتفادي التعرض لمحرقة جديدة.
وهو التبرير نفسه الذي يُشهره نتنياهو اليوم بتشبيهه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بهتلر. والحال أن هذا المنطق يذهب أبعد من ذلك: فما دامت إسرائيل محاطة بجيران يهددون أمنها، فلن تمارس واشنطن أي ضغط عليها لدفعها إلى التوقيع على ميثاق عدم انتشار الأسلحة النووية، علما أن إسرائيل تمتلك بين 75 و200 رأس نووي، حسب المنظمة الأميركية “جمعية مراقبة الأسلحة”.
هذه الترسانة يمكن أن تُستعمل بواسطة العديد من الحاملات: طائرات مقاتلة من نوع أف 16 وأف 15، وصواريخ “جيريكو”، وصواريخ كروز التي تحملمها غواصات من نوع دلفين. وحسب معلوماتنا، فإن المذهب النووي الإسرائيلي يصطدم بالردع، حتى وإن كان موشيه دايان؛ وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، كما يذكرنا بذلك الخبير الأميركي أفنر كوهين، قد حاول القيام باستعراض نووي أثناء حرب يوم الغفران (كيبور) العام 1973.
وتجدر الإشارة إلى أن كل البرنامج النووي الإسرائيلي محميٌّ بقانون الصمت الذي يحترمه العالم السياسي، والصحافة، باسم الدفاع الجماعي عن رهان وجودي، وعلى حساب الشفافية والديمقراطية. ولكن، تُرى، في أي ظروف يمكن الحديث عن استعمال السلاح النووي؟ وما سلسلة التحكم التي تؤدي في النهاية إلى ضغط “الزرّ” الذي يحدث الكارثة العظمى؟ وأين تُعالَج النفايات الإشعاعية لمفاعل ديمونة الإسرائيلي؟ وما الاحتياطات التي يتم اتخاذها أمام المخاطر البيئية، علما أن موقع النقب قريب من الصدع الزلزالي السوري الأفريقي؟ إنه السر الخفي! فبعد مرور خمسة عقود من الزمن، أصبحت محصلة السياسة متناقضة جدا: هل نعزو كون القوى الإقليمية؛ مثل مصر وتركيا والعربية السعودية، لم تنطلق في السباق نحو الأسلحة النووية، للردع الضمني الذي تفرضه إسرائيل؟
في المقابل، وإذا كانت العراق، وليبيا، وسورية قد سقطت في وقت معين، وإذا كانت إيران قد انطلقت في هروب نووي إلى الأمام، فهل هذا دليل على عدم جدوى هذه السياسة؟ إن الإسرائيليين يرفضون توازنا نوويا مع إيران، على غرار ما حدث أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، والذي يستمر بين الهند والباكستان والصين. فإذا كانت إسرائيل تتنازل عن القيام بعملية عسكرية، وإذا كانت العقوبات الدولية لا طائل من ورائها، فإننا لا نملك إلا أن نقبل باحتمال وصول إيران إلى “العتبة النووية”. وسوف ينشأ في الشرق الأوسط بين إيران وإسرائيل، التباسٌ مزدوج سوف يفاقم بصورة مأساوية تعرّض المنطقة للخطر العظيم.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 L’Iran et la bombe nucléaire d’Israël

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock