ترجمات

إيلون ماسك يريد إعادة هندسة “الفضاء العام”

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 30/4/2022

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أشهر مهندس في العالم يجلب لنفسه مشكلة كبيرة أخرى ليحلها

عادةً ما لا تظهر التصريحات الكاسحة حول مستقبل البشرية في المناقشات التي تُجرى حول عمليات الاستحواذ المالي الكامل.

لكن إيلون ماسك لم يشعر قط بأنه ملزم باتباع هذا العرف. عندما سئل عن خططه لشراء “تويتر”، الشبكة الاجتماعية المعروفة، وجعلها خاصة -وهو ما وافق عليه مجلس إدارة الشركة في 25 نيسان (أبريل)- ذهب مباشرة إلى الفكرة الكبيرة.

“شعوري البديهي القوي هو أن امتلاك منصة عامة موثوق بها إلى أقصى حد وشاملة على نطاق واسع هو أمر بالغ الأهمية لمستقبل الحضارة. أنا لا أهتم بالاقتصاد على الإطلاق”.

بالمقارنة مع منافسيه “فيسبوك” و”إنستغرام” و”تيك-توك”، يعد “تويتر” سمكة صغيرة. لكن الصفقة مهمة.

أحد الأسباب هو أن حجم “تويتر” يتناقض مع أهميته.

فهو يفعل الكثير، بصفته يشكل هاجساً للسياسيين والمحللين والمفكرين، لتهيئة المناخ السياسي -إنه “فضاء عام” رقمي، كما قال ماسك.

وثمة سبب آخر هو أن السيد ماسك صنع اسمه وثروته من خلال تقلب الصناعات.

وهذه المرة، سوف يتصارع مع مشكلة معقدة تهم الحكومات في جميع أنحاء العالم بشدة -كيفية تنظيم الكلام على الإنترنت.

وتضع معظمها المزيد من القواعد بلا توقف. لكن ماسك يريد الذهاب في الاتجاه الآخر، لإزالة القيود بدلاً من فرض قيود جديدة. وسيراقب مشغلو الشبكات الاجتماعية الكبيرة الأخرى هذه التجربة باهتمام.

للوهلة الأولى، يبدو ماسك -الذي اشتهر بالسيارات الكهربائية والصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام- قطبًا غير محتمل لوسائل التواصل الاجتماعي.

لكن نظرة فاحصة تشير إلى أن استحواذه على “تويتر” يناسب نهجه في العمل. يحب السيد ماسك، وهو مهندس شغوف، أن يأخذ التقنيات ذات الأداء الضعيف ويحسنها.

وقد مزقت “تِسلا” كتاب قواعد صناعة السيارات من خلال استبدال البنزين بالكهرباء، والتخلي عن الوكلاء ومعاملة السيارات كما تُعامل أجهزة الحاسوب.

وأثبتت شركة “سبيس إكس” أن شركة ناشئة جائعة تتحرك بسرعة وتحطم الأشياء وتدار بثمن ضئيل نسبيًا يمكن أن تتفوق في أدائها على عمالقة الفضاء الذين أصبحوا حذرين وبدينين ثقيلي الحركة بسبب العقود الحكومية السخية. وكانت كلتا الشركتين محل تجاهل من قبل كبار شاغلي المناصب –حتى لم تصبحا كذلك ذات يوم.

كل هذه الهندسة والخلخلة يحركها مفهوم السيد ماسك الخاص، وأحيانًا الفردي، عن الصالح الاجتماعي.

فالغرض من شركة “تسلا” هو دفع العالم بشكل أسرع نحو اقتصاد خالٍ من الكربون (وهو الهدف الذي تم تأكيده من خلال السرعة التي يتجه بها صانعو السيارات الآخرون الآن نحو إنتاج السيارات الكهربائية).

وطموح “سبيس إكس” كبير جدًا لدرجة أن بعض المعلقين يكافحون في محاولة الاعتقاد بأن السيد ماسك صادق: تأسيس وجود بشري على سطح المريخ، وهو شيء ربما يثبت يوماً ما، في حال حلت كارثة كبيرة بالأرض، أنه كان بوليصة تأمين للحضارة.

افترِض أن السيد ماسك مستعد حقًا لإنفاق مليارات الدولارات من أمواله الخاصة لتأمين “مستقبل الحضارة” (على الرغم من أن لديه شرطاً لإلغاء العقد في حال غلبَه الخوف من استكمال المشروع).

والسؤال هو ما إذا كانت رؤيته لحرية التعبير على “تويتر” منطقية.

يتناسب موقع “تويتر” مع نمط “تسلا” و”سبيس إكس”، حيث يقدم للسيد ماسك نظامًا هندسيًا معقدًا آخر ليجرب فيه ويتعامل معه، وسببًا كبيرًا للقيام بذلك. تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي الخوارزميات لتسليط الضوء على المحتوى “الجذاب”، باستخدام مجموعة كثيفة من القواعد التي تحاول التخفيف من أسوأ الآثار الجانبية، من أجل بيع المستخدمين للمعلنين بطريقة أفضل.

وهو نموذج أعمال مليء بالتناقضات والمقايضات غير المدروسة، والذي يبدو ناضجاً للخلخلة.

وربما لا يكون من المفاجئ أن ماسك يريد أن يكون وكيلها لأنه خاض تجاربه الأولى في مجال ريادة الأعمال في التسعينيات، عندما كانت التحررية التقنية ومناهضة الرقابة هي الأفكار المحركة للإنترنت.
لا ينبغي لحقيقة أن السيد ماسك ملياردير أن تحرمه من امتلاك شركة إعلامية مهمة. وقد طرح بالفعل بعض الأفكار لـ”تويتر”، الكثير منها موسوم بالحذر والعقلانية.

وتظهر الضجة الناتجة إلى أي مدى أصبح الرأي على الإنترنت غير ليبرالي. ويريد ماسك في المقابل عددًا أقل من عمليات الحظر الصريح والمزيد من الإيقاف المؤقت للحسابات.

ويجب على المستخدمين إثبات أنهم ليسوا روبوتات. وعندما تكون في شك، فلك أن تخطئ في جانب ترك التغريدات مرفوعة، وليس في إزالتها.

والأهم من ذلك، أنه يعتقد أن تروس ومفاتيح خوارزمية توصيات “تويتر”، التي تقرر التغريدات التي يراها المستخدم، يجب أن تكون معلنة يمكن للباحثين فحصها؛ ويمكن للمبرمجين الآخرين تعديلها.

ويمكن لإصدار أقل عرضة لدفع المحتوى “الجذاب” -والذي غالباً ما يعني، في الممارسة العملية، التغريدات الغاضبة أو المثيرة للجدل أو السخيفة- أن يخفض درجة حرارة المنصة بأكملها، ما يجعل مهمة التعديل أسهل وربما يؤدي إلى إثارة نقاش مدروس أكثر.

أو ربما يصبح “تويتر” منصة مفتوحة، حيث يمكن لمستخدمين مختلفين اختيار واحد من العديد من خوارزميات الأطراف الثالثة المختلفة -أو لا يختارونها على الإطلاق- وفقًا لأذواقهم.

وتعديل المحتوى هو نتاج فوضوي للضغوط السياسية والاجتماعية. وسيكون من الرائع أن نرى بكم من السهولة سيخضع للهندسة.

لن تكون للسيد ماسك يد مطلقة بالكامل. الآن، تعمل كل من أستراليا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي والهند على وضع أنظمة للتكنولوجيا.

وأشار تييري بريتون، أحد كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي، إلى أنها “ليست قواعد (السيد ماسك) هي التي ستطبق هنا”.

ومستثمرو السيد ماسك الآخرون قلقون. فكلما كرس وقتًا أطول لـ”تويتر”، قلّ ما سيوفره منه لمشاريعه الأخرى. وقد تراجعت أسهم شركة “تسلا” بنسبة 12 في المائة بعد ظهور أنباء صفقة “تويتر”.

تشكل شخصية ماسك مخاطرة كبيرة. إنه ماهر ومندفع ويعمل بجد. لكنه يمكن أن يكون أيضًا صبيانيًا وانتقاميًا، وقد ظهرت سماته في العام 2018 عندما اتهم خبيرًا بريطانيًا في الإنقاذ من الكهوف، من دون دليل، بأنه “متحرش بالأطفال”.

ومثل هذه الانفجارات تأتي عادة من مستخدم لـ”تويتر” له عدد كبير من المتابعين.

ولكن عندما يكون صاحبها هو المالك، فإنها ستثير تساؤلات حول ما إذا كان سيتمكن من مقاومة إغراء استغلال منصبه الجديد لمتابعة هواجسه وانتقامه.

الطائر وشجرة البلوط

تتقاسم هذه المجلة قناعات السيد ماسك بشأن حرية التعبير. لا أحد يملك احتكاراً للحكمة. في بعض الأحيان يكون الخبراء على خطأ وفي بعض الأحيان يكون المتشددون على حق.

وحتى في عصر الإنترنت، سيكون أفضل رد على حجة سيئة هو تقديم واحدة أفضل منها. أصبح التعديل على العديد من المنصات قاسيا ومطبّقا بشكل تعسفي.

وإذا كانت موهبة السيد ماسك في إحداث تغييرات جذرية في الصناعات يمكن أن تساعد على قطع العقدة الغوردية للحديث عبر الإنترنت، فسوف يستفيد الجميع.

لكننا حريصون أيضًا على مبدأ ليبرالي آخر، وهو أن المؤسسات يجب أن تكون أكبر من الشخص الذي يديرها.

يستطيع السيد ماسك أن يضع قواعد جديدة، لكنه يجب أن يرى وهو لا يلعب أي دور في إنفاذها.

وإذا كان يريد حقًا إقناع المستخدمين بأنه سيكون وصيًا محايدًا لـ”ميدانه الافتراضي العام”، فيمكنه تنفيذ إصلاحاته -ثم تجميد حسابه الخاص.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Elon Musk wants to re-engineer the “public square”

*إيلون ماسك رجل أعمال كندي، حاصل على الجنسية الأميركية ولد في جنوب أفريقيا، ومستثمر، ومهندس ومخترع. مؤسس شركة “سبيس إكس” ورئيسها التنفيذي والمصمم الأول فيها.

المؤسس المساعد لمصانع “تيسلا موتورز” ومديرها التنفيذي والمهندس المنتج فيها.

كما شارك في تأسيس شركة التداول النقدي الشهيرة “باي بال”، ورئيس مجلس إدارة شركة “سولار سيتي”.

اقرأ المزيد في ترجمات

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock