الغد الاردنيتحليل إخباري

ابتهال…

د. لانا مامكغ

جلس في سريره متأفِّفاً ضجِراً، إذ لم يستطع أخذ قيلولته المعتادة، يومٌ ثقيلٌ آخر على معاناته هذه، يقضي نهاره شارداً، يعود مرهقاً، يتناول غداءه دون شهيّة، ولا يتمكّنُ من النّوم لا ليلاً ولا نهاراً …
وبدأ يلومُ نفسه؛ ماذا لو أسكتَ ضميره؟ تلك القطعة المعذّبة في صدره التي لا تسأم من التّرديدِ والتّذكير والإلحاح ؟ ماذا لو أنكرَ وصمتَ وتناسى، مثل غيره من النّاس، حتى تعودَ الحياةُ إلى رتابتها الجميلة؟ يا لحظّه العاثر، حاول ولم يفلح، ما يزال ذلك الجزء من روحه يقظاً ملحّاً صاخباً حتى يكاد يودي به إلى الجنون!
وأيقن بعد التّداعيات المريرة تلك أن لا مفرَّ من المواجهة، وأنَّ عليه أن يتصرّفَ كرجلٍ حقيقي، فيدفع ثمنَ حماقته، وليكن ما يكون، المهم أن يرتاح…
كان أوّل ما خطرله هو التوجّه إلى الشّرفة، هناك يستطيع أن يسيطرَ على مجرى الحديث فيحول دون تصعيده… وعليه، اتّخذَ مقعده هناك بقلبٍ واجف، وناداها طالباً منها إعداد الشّاي!
أقبلت بعد حين وجلست قربه بهدوء ليقول: “اسمعيني جيّدا، أقسم إنّك الأغلى عندي في الدّنيا كلّها، وتجمعنا عِشرة طيّبة، ولم يبدرْ من أيٍّ منّا ما يُسيء به إلى مشاعر الآخر طوال سنوات زواجنا… لكن حدث معي ما شوّه ذلك بطريقة أو بأخرى! “
فوجدها تعتدلُ في جلستها لتركّزَ نظرَها عليه …أضافَ محاولاً السّيطرة على تهدّج صوته:
“ هي زبونة لا أكثر، لم أشعر تجاهها بشيء بادئ الأمر، لكن مع تكرّرِ زياراتها، بدأتُ أشعرُ بإحساسٍ عذبٍ لمّا أراها… مهلاً لا تسرحي في أفكارك، كان مجرّدَ ميلٍ عابر نتج عنه أنّها شغلت تفكيري لأيّام!”
استرقَ النّظر إلى ملامحها ليضيف بذعر: “ليست أجمل منكِ، حتى أنَّ جمالها عادي جدّاً، وأقسم إنّي لم أعرف اسمها، ولم أسعَ لمعرفته صدّقيني، لكن على العموم، هي اختفت، لم تعد تأتي، حتى وإن حصل، فلا مشاعر عندي نحوها أبداً بعد هذه الّلحظة، أعاهدكِ بصدق…”
لم تنبس بحرف، بل قامت بهدوء ومضت دون أن يستطيعَ قراءة ملامحها، لكن شعرَ ببعض الرّاحة أخيراً، ليقول لنفسه: “ راقيةٌ وبنتُ أصل هذه المرأة، لم تنفعل، ولم تستفزني بكلمة، تفهّمت الموضوع، ولم تحمّل الحكايةَ أكثرَ من حجمها، أشكرك يا ربّي، هكذا تعمرُ العلاقات الزّوجيّة، وتستقرُّ البيوت … القاعدة الأساس هي الصّدقُ والاحترام، والصّراحة المتبادلة! “
وعند العبارة الأخيرة سرح… الصّراحة طريق باتّجاهين، يعني… وانتفضَ جسدُه فجأة دون أن يعرف لماذا، ليسأل نفسَه وهو يشعرُ بكتلةٍ من لهب تجولُ في خلاياه لتعودَ وتستقرَّ داخل رأسه:
“ماذا لو؟ ماذا لو تبّدلَ الموقفُ فسمعتُ منها ذات يوم تفاصيلَ مماثلة؟ فهي أيضاً موظّفة، وتتعاملُ مع رجالٍ عديدين…”
وجحظت عيناه، وبدأ يدور حول نفسه في الشّرفة كالملدوغ… هل يُعقل؟ هل سيأتي يومٌ يجلسُ فيه هنا كالأبله ليستمع إلى كلامٍ مثل الذي قاله لها؟”
فوقف رافعاً يديه نحو السّماء ليدعو بأعلى صوته إلى درجةٍ لفتت أنظارَ الجيران ليسمعوه يبتهل إلى الله ويقول: “ لا يا ربّي، لا… أتوسّلُ إليك ألّا تضعَني في موقف كهذا، أرجوك يا ربّي … أستجيرُ برحمتك يا عظيم، اكفني شرَّ مثلَ ذلك اليوم!”

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock