;
ترجمات

ابنة إدوارد سعيد تتذكر “أعز أصدقائها” في الذكرى 86 لميلاده

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

روعة تالاس – (عرب نيوز) 1/11/2021

عرض أعظم إبداعات إدوارد سعيد، كتاب “الاستشراق” Orientalism، وجهة نظره حول كيفية فهم الغرب للشرق بطريقة مهينة، في كل شيء، من النصوص الأدبية إلى التمثيل الشعبي. وعلى الرغم من نشر الكتاب في العام 1978، إلا أنه ما يزال وثيق الصلة، وما تزال قراءته من المتطلبات الثابتة لطلاب الجامعات في العديد من البلدان. وكانت خطاباته آسرة للغاية. وكما قال أحد أصدقائه المقربين: “عندما يتحدث، كانت القاعة كلها تصبح مسحورة وكأنها تحت رقية. لم يجرؤ أحد على قول كلمة واحدة”.

  • * *
    دبي – سوف يتذكر العالم دائما إدوارد سعيد كمفكر ورجل أدب له مجموعة واسعة من الاهتمامات. وقد أصبح الرجل الذي ولد لأبوين فلسطينيين في القدس التي كانت تحكمها بريطانيا في ثلاثينيات القرن الماضي مؤلفا، وناقدا، وأستاذا جامعيا، ومفكرا عاما، وعازف بيانو موهوبا ومعروفا دوليا، وشخصية مؤسسة لحقل دراسات ما بعد الاستعمار، ومؤيدا للقضية الفلسطينية مدى الحياة.
    لكنه كان، في نظر ابنته الوحيدة، الممثلة والكاتبة المسرحية ومؤلفة كتاب “البحث عن فلسطين” Looking for Palestine، نجلاء سعيد، “بابا”، ببساطة. وتُظهر ذكرياتها المبكرة عن والدها مدى ارتباطها به منذ صغرها.
    وقالت نجلاء لـ”عرب نيوز” في مقابلة عن طريق الفيديو: “أتذكر أنني كنت في الثانية أو الثالثة من عمري وكان أنفي ينزف وملطخا بالدماء. أخبرتني أمي أن أستلقي وأمسك أنفي، لكنني أتذكر أنني، عندما عاد أبي إلى المنزل من العمل، قفزت وأنا أصرخ “بابا”! وركضت نحوه بينما يسيل الدم من أنفي، كنت متحمسة للغاية لأنه كان في المنزل. لقد أحببته كثيرا جدا”.
    نشأت نجلاء سعيد في الضاحية الغربية العليا من مانهاتن، حيث واجهت أزمة هوية شخصية كأميركية عربية، وشعرت وكأنها دخيلة عندما درست في مدرسة فخمة للفتيات فقط قالت إنها كانت تفتقر إلى التنوع.
    وقالت: “لم أتواجد أبدا حول أشخاص مثلي وكان ذلك مربكا جدا. كان جميع أصدقائي من الشقر، وكانت لهم عظام صغيرة جدا، ويبدو أنهم جميعا يعرفون بعضهم البعض من منازلهم الصيفية. كنت قد قضيت الكثير من أيام طفولتي في لبنان، ذهابا وإيابا قبل أن أبدأ المدرسة، وقد جئت من هذه العائلة الهائلة والرائعة التي أحببتها، لكنني أدركت، بمجرد ذهابي إلى المدرسة، أنني مختلفة بطريقة ما”.
    وكلما كبرت نجلاء، كان والدها يصبح أكثر بروزا في نظر الجمهور، الأمر الذي وجدته محرجًا في ذلك الوقت.
    “قال لي الكثير من الناس، “كيف كان يمكن أن تكبري مع مث هذا الشخص وأن تخجلي من كونك فلسطينيًة”؟ لكن هذا هو جوهر المسألة، لأنني أعتقد أن الناس لم يكونوا يدركون قبل العشرين عاما الماضية أو نحو ذلك، أن الأفراد من البلدان الأخرى لم يكونوا يرتاحون كثيرا مع الكشف عن هويتهم العرقية الأصلية، لأن الفكرة كلها كانت أن يكون المرء أميركيا وأن يندمج”. واليوم، بصفتها امرأة راشدة، أصبحت نجلاء تنظر إلى والدها بشكل مختلف.
    عرض أعظم إبداعات سعيد، كتاب “الاستشراق” Orientalism، وجهة نظره حول كيفية فهم الغرب للشرق بطريقة مهينة، في كل شيء، من النصوص الأدبية إلى التمثيل الشعبي. وعلى الرغم من نشر الكتاب في العام 1978، إلا أنه ما يزال وثيق الصلة، وما تزال قراءته من المتطلبات الثابتة لطلاب الجامعات في العديد من البلدان.
    وكانت خطابات سعيد آسرة للغاية، كما قال أحد الأصدقاء المقربين: “عندما كان يتحدث، كانت القاعة كلها تصبح مسحورة وكأنها تحت رقية، ولم يجرؤ أحد على قول كلمة واحدة”.
    قالت نجلاء سعيد لصحيفة “عرب نيوز”: “بعد 11 أيلول (سبتمبر)، في العامين الأخيرين من حياته، كنت فخورة حقًا بكوني ابنته. كنت قد أصبحت كبيرة وناضجة بما يكفي لكي أفهم”.
    وتتذكر أنه كلما نمت شهرته، زادت أيضًا عدوانية منتقديه. كانت حياته عرضة للخطر، وتلقى دائماً تهديدات بالقتل، واشتعلت النيران في مكتبه في جامعة كولومبيا، حيث كان يدرِّس لمدة أربعة عقود.
    وتصف نجلاء سعيد والدها بأنه “سابق لعصره”. وتقول: “أعتقد أنه كان يقول أشياء لم يكن الناس على استعداد لسماعها”.
    وهي تعتقد أنه مهد الطريق للناس لتأكيد هويتهم متعددة الطبقات علانية. “عندما التحقت بالجامعة في أوائل التسعينيات، عندما كانت حركة التصحيح السياسي في بدايتها، كان الجميع يقولون: ’أنا أميركي من أصل أفريقي‘، ’أنا أميركي من أصل آسيوي‘. ويعود الفضل إليه في وصف ’أميركي من أصل آسيوي‘ لأنه كان الشخص الذي قال أن كلمة ’شرقي” ليست كلمة ذات دلالة جيدة” في الغرب.
    تتشابه نجلاء وإدوارد في عدة نواحٍ: فهي مثله، شغوفة ومزاجية ومعبرة في كتاباتها. وهي تعتز ببعض اللحظات التي تشاركتها مع والدها، بما في ذلك الالتقاء بعمالقة الأدب.
    أثناء حضورهما اجتماعات لجنة اليونسكو في باريس معًا في العام 1993، التقيا بالفيلسوف الإيطالي أومبرتو إيكو، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز.
    “كان متعلقة بذراع أبي، وجاء غابرييل غارسيا ماركيز إليّ وسألني بالفرنسية عن أي من كتبه قرأت، وقلت: ’لا أحد منها‘. فقال ماركيز: ’لا أستطيع أن أصدق أن هذه الفتاة قالت لي هذا‘، وأخذني من ذراعي وهو يقول: ’لقد أحببتها‘! وشعر والدي بالفخر بي”.
    بالنسبة لنجلاء، كان والدها رجلا نبيلا، يحب أن ينفث دخان غليونه ويستمع إلى فاغنر. وكان يجمع الأقلام وربطات العنق، وكانت بدلاته المصنوعة من التويد تُحاك في “سافيل رو” في لندن. كان محباً للحوار ومخلصًا، لكنه لم يكن غامضاً أو غير صريح في كلامه.
    كان إدوارد سعيد صديقاً للشاعر الفلسطيني محمود درويش واختلف مع ياسر عرفات. وعلى الهواء، تحدى الصحفيين التلفزيونيين، مثل تشارلي روز وتيم سيباستيان، بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ولم يكن يحب موسيقى البوب ولا المطربة المصرية أم كلثوم التي قال إنها بدت وكأنها تنتحب.
    قاده شغفه بالموسيقى الكلاسيكية إلى العمل مع صديقه، قائد الأوركسترا الأرجنتيني الإسرائيلي المخضرم دانيال بارنبويم، لتأسيس أوركسترا الديوان الغربي والشرقي في العام 1999، والتي تتألف في الغالب من موسيقيين عرب وإسرائيليين. وقالت نجلاء: “حتى أنه قال، في نهاية حياته، أن أعظم شيء فعله على الإطلاق كان تأسيس تلك الأوركسترا”.
    وقالت أن والدها شجعها على سعيها في طريق الأدب والفنون وكان داعمًا لها عندما كانت تعاني من فقدان الشهية وانكسارات القلب والشك في الذات. “كنت في الكلية وأريته مسودة لأطروحتي للتخرج وقلت، ’أنا غبية جدًا‘. فأجاب في مذكرة مكتوبة بخط اليد: “هناك الكثير من الأشياء التي هي أنتِ، يا ناغ. لكن الغباء ليس واحداً منها”.
    تتذكر نجلاء سعيد والدها كرجل محبوب وحلو المعشر، والذي لطالما كان يخصص الوقت لعائلته. وتقول “أكثر مكان، والوحيد الذي كنت أشعر فيه بالأمان، كان مع والدتي (مريم) وأبي وأخي (وديع). كان ذلك وكأننا نحن مقابل العالم. إن فكرة “المنزل” هي: عائلتي هي المنزل”.
    حتى يومنا هذا، تجد نجلاء شهرة والدها سريالية. وتقول: “ما أزال مندهشة من عدد الأشخاص الذين يعرفون من هو. عدت إلى أحد لقاءات لم الشمل مع الزملاء القدامى في المدرسة في برينستون، وهي مدرسة إعدادية بيضاء للغاية، والطفل، وهو صبي أميركي نموذجي، الذي تفقد اسمي من أجل الدخول قال،”ما هو اسم عائلتك”؟ وأجبته: “سعيد”، فقال: “أوه، مثل إدوارد””!
    غير إدوارد سعيد كيفية تعامل العالم مع التمثيل representation. في العام 2015، أقيم معرض للأزياء بعنوان “الصين: من خلال مرآة” في متحف متروبوليتان، وفي البداية أضاءوا اسمه على الحائط. وتتذكر نجلاء: “كان تفكير الناس في المتحف شيئاً من قبيل: “يجب أن نكون حذرين بشأن الكيفية التي نقدم بها أنفسنا”. لم أفكر مطلقا في أنني سأرى اسم والدي على حائط معرض للأزياء”.
    كانت حقيقة أن والدها ما يزال حيا في قلوب الكثيرين مصدر عزاء لنجلاء سعيد. “أشعر أنني لست وحدي. إذا كنت في مكان غير مألوف ووجدت أن أحداً يعرف من يكون أبي، يكون شعوري: ’حسناً، أنا بأمان هنان’. لأن هناك شخصًا يعرف من أنا وهو متصالح مع ذلك”.
    كانت نجلاء تبلغ من العمر 17 عاما فقط عندما تم تشخيص إصابة سعيد بسرطان الدم في أوائل التسعينيات، وهي معركة خاضها حتى وفاته في العام 2003، بعد ستة أشهر من الغزو الأميركي للعراق
    وقالت نجلاء: “اعتاد أن يمزح قائلا إنه “أقلع” بمجرد أن غزونا العراق. “كان الأمر بالنسبة له شيئاً من قبيل: “آه! لقد انتهيت. لا أحد يستمع إلي. يجب أن أذهب””.
    وعندما بدأ المرض يترك حصيلته على صحة سعيد، فقد الوزن وأصبح صوته أجش، كما تتذكر ابنته، ولكن “كانت ثمة نار ما تزال تضطرم فيه”.
    الآن، بعد ما يقرب من 20 عاما من وفاته، ما يزال إدوارد سعيد مصدر إلهام للناس المهمشين في جميع أنحاء العالم. وتقول نجلاء: “ما كان يقوله كان أساسيًا وعالميًا، وكان في النهاية عن الإنسانية”.
    كان سعيد سيبلغ من العمر 86 عاما في 1 تشرين الثاني (نوفمبر) لو أنه بقي على قيد الحياة. وكان يحب أعياد الميلاد، وكانت الهدية المثالية بالنسبة له هي الملابس.
    في يوم يضج بالعواطف العائلية، لدى نجلاء سعيد أمنية. قالت: “في نهاية المطاف، يكون فقدان أحد الوالدين أمرًا صعبًا. أنا أفتقده كثيرا، حتى أن من الصعب أن أشرح شعوري. كنت بالتأكيد فتاة أبي وكان أعز أصدقائي. ولذلك، كنت لأود أن أقول: أرجوك عُد. هذا كله هراء”.

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Daughter of Edward Said remembers her “best friend” on his 86th birth anniversary

أستاذ الأدب والعضو السابق في المجلس الوطني الفلسطيني إدوارد سعيد – (أرشيفية)
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock