صحافة عبرية

ابوديس الخاصرة الرخوة

إسرائيل هيوم

نداف شرغاي

16/2/2018

مبنى المجلس التشريعي الفلسطيني المتروك في أبو ديس يقع على بعد 2.8 كم عن الحرم، بالضبط مثل المسافة التي يبعد فيها الكنيست الإسرائيلي عن الحرم. عندما كان أبو مازن نائبا لياسر لعرفات، كانت أبوديس مخصصة لتكون “القدس الثانية” كبديل مؤقت للتقسيم الكامل للمدينة، المقدمة للشيء الحقيقي.
أبو مازن كان مستعدا في حينه لبلع هذا الضفدع، وحتى لـ “تزيين” أبوديس بمؤسسات سلطة عديدة. ولكن الآن حيث تحاول إدارة ترامب اعادة أبوديس إلى الطاولة في اطار “صفقة القرن”، فان أبو مازن يسميها باستخفاف “صفعة القرن”.
حسب رأي محمود عباس الأمر يتعلق باقتراح محرج، إن لم يكن مهين، بعد أن وضع رئيسا حكومة في إسرائيل، إيهود باراك وإيهود أولمرت، على الطاولة اقتراحات لتقسيم القدس، باراك في كامب ديفيد 2000 وأولمرت في 2008، فكرة أبو ديس تشبه في نظر الفلسطينيين محاولة تخليص حمل من بين أنياب ذئب. القدس كانت هناك تقريبا في أيديهم، وهناك من يريد أن يعيد العجلة إلى الوراء.
حتى الآن ليس واضحا من “غرس لدى الأميركيين فكرة العودة إلى خيار أبو ديس”. الواضح هو أن الماضي غير البعيد لأبو ديس كخيار بديل لعاصمة فلسطينية في القدس، وخاصة موقع أبو مازن في هذا الخيار اعطى للأميركيين على الاقل الاساس الأول للافتراض أنه تجدر محاولة العودة إلى هناك.
قبل حوالي عشرين سنة كان أبو مازن شريكا مع الوزير السابق يوسي بيلين في صياغة وثيقة التفاهمات المشهورة لهما. لم يكن ذلك اتفاقا، فقط وثيقة غير رسمية حول المعايير للاتفاق الدائم الذي بلوراه. في قضية القدس اقترحوا زيادة مساحة المدينة، واقامة بلدية عليا وادارتها بواسطة بلديتين ثانويتين: بلدية القدس الفلسطينية وبلدية اورشليم اليهودية.
لقد خصص لأبو ديس مكان مركزي في اطار هذه التفاهمات. الإسرائيليون سموها “اورشليم الثانية” والفلسطينيون اعتبروها درجة اخرى في السلم، لكن عمليا بدأوا يتعاملون معها كمركز بديل للحكم، مؤقت. اقاموا فيها عددا من مؤسسات السلطة والحكم: قيادة اجهزة الأمن الفلسطينية، مكاتب للحكم المحلي ومكتب محافظ القدس. ودرة التاج: مبنى المجلس التشريعي الذي يتكون من خمسة طوابق والذي يحوي قاعة كبيرة فيها 132 مقعدا (عدد اعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني) ومكاتب فاخرة، لم يتم اشغالها في أي يوم، لرئيس السلطة الفلسطينية ورئيس المجلس التشريعي.
لسخرية القدس، مبنى البرلمان الفلسطيني أقيم على اراضي الكيرن كييمت (مؤسسة الصندوق الدائم لإسرائيل). ثلث مساحته كانت ضمن حدود بلدية القدس، لكن إسرائيل غضت النظر. اراضي الكيرن كييمت و450 دونما تقريبا اراضي ليهود تم شراؤها من قبل سكان مئة شعاريم قبل نحو تسعين سنة، وكلها بقيت خلف جدار الفصل. الجدار قسم أبو ديس إلى قسمين غير متساويين وفقا لمسار الخط البلدي الذي حدد في 1967: 90 في المائة من اراضي القرية نقلت إلى السيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية بمكانة مناطق ب. و10 في المائة فقط بقيت في حدود إسرائيل والقدس.
ورثة الاراضي المحتملين حاولوا النضال على حقوقهم، لكنهم يئسوا سريعا. الفلسطينيون وضعوا اليد على معظم اراضي اليهود في أبو ديس واقاموا عليها الكلية الإسلامية.
في الجانب الإسرائيلي من أبو ديس بقي 60 دونما من تلك الصفقة. رجل الأعمال اليهودي إيرفين موسكوفيتش اشترى جزءا من الاراضي واسكن فيها 8 عائلات يهودية. لقد مضى أكثر من 15 سنة على عيشها في الجانب اليهودي، في منطقة غير مكتظة نسبيا بالسكان العرب. منذ سنوات وهي تنتظر عبثا الحصول على مصادقة على مخطط “كدمات تسيون” لبناء 300 وحدة سكنية على اراضي اليهود في أبو ديس. المخطط موجود في اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء لمنطقة القدس، بتوجيه من المستوى السياسي وبضغط من الولايات المتحدة.
السبب الرئيسي لتجميد خطة البناء هذه هو خيار أبو ديس الذي طرحته ادارة ترامب الآن من جديد. حتى قبل تفاهمات بيلين- أبو مازن، كانت أبو ديس جزءا من “خطة الدهليز”، التي فحصتها جهات دولية وحكومات إسرائيلية مختلفة بجدية. “الدهليز” هدف إلى خلق “ممر آمن” بسيادة فلسطينية، مثل شارع ونفق وربما حتى جسر يربط بين منطقة اريحا والحرم. أبو ديس خطط لها أن تكون البوابة الشرقية ومخرج للممر الآمن الفلسطيني إلى المسجد الأقصى.
عندما تولى إيهود باراك رئاسة الحكومة 1999 طلب اعطاء الفلسطينيين أبو ديس وتحويلها إلى مناطق أ بسيادة فلسطينية كاملة. الحاخام عوفاديا يوسف واريئيل شارون عملا بصورة مشتركة ونجحا في احباط هذه الخطة. الاحداث لعبت لصالحهما: قبل يوم من نقل المنطقة إلى الفلسطينيين تفجرت موجة عنف بشرت بحدوث الانتفاضة الثانية. ايلي يشاي اقترح على باراك تأجيل نقل المنطقة للفلسطينيين لعدة ايام، وهذا الامر المؤقت تحول إلى دائم وبقيت أبوديس منطقة ب.
بعد 19 سنة، فإن الاهانة الفلسطينية البارزة من محاولة اعادة طرح فكرة أبو ديس، تبرز أمرين. أولا، احتمال تطبيق الفكرة في عهد أبو مازن كما يبدو معدوما. ثانيا، الفجوة بين خطة أبو مازن وبين التنازلات الكبيرة التي كان باراك وأولمرت مستعدان لتقديمها في القدس، هي فجوة كبيرة. الفلسطينيون لم يستوعبوا بعد أنه في عهد ترامب ونتنياهو الصيغ تغيرت.
في العام 2000 وافقت مبدئيا حكومة باراك على خطة الرئيس كلينتون الذي اقترح نقل الاحياء العربية في القدس للفلسطينيين وابقاء السيطرة والسيادة الإسرائيلية على الاحياء اليهودية في العاصمة (ايضا على الاحياء التي اقيمت بعد حرب الايام الستة). بعد 8 سنوات من ذلك، وقبل خمسة ايام فقط من استقالة رئيس الحكومة من منصبه، عرض إيهود أولمرت على رئيس السلطة أبو مازن خارطته لتقسيم القدس، ايضا هذه الخارطة مثلها مثل خطة كلينتون، تضمنت تقسيم بين الاحياء اليهودية والعربية، وادارة بأمانة للحوض المقدس وفي ضمنه البلدة القديمة بواسطة خمس دول، إسرائيل والولايات المتحدة والاردن والسعودية والدولة الفلسطينية.
أولمرت أمل أن يوافق أبو مازن على المخطط. لقد خطط لتقديمه فورا للمصادقة عليه من قبل الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي ومجلس الكونغرس ومجلس الشيوخ في الولايات المتحدة، وعندها سيتم التوقيع عليه بالأحرف الأولى في البيت الابيض.
ولكن أبو مازن رفض الخطة الاكثر سخاء التي قدمها أي رئيس إسرائيلي. الآن عندما تطرح فكرة أبوديس من جديد فان أبو مازن يستخدمها لهدفين: أداة للتصادم مع الولايات المتحدة في اطار المواجهة مع ترامب بعد إعلان القدس، وكنوع من مسطرة الوقت هدف إلى التدليل على كم هم الفلسطينيون بعيدون اليوم عن هذه الفكرة، بعد رفضهم اقتراحات اكثر بعدة مرات قدمها باراك وأولمرت.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock