ثقافة

ابو حليوة: المهمشون الفئة الأكثر ضجيجاً على الصعيد الجواني

قاص اردني يرى ان النص يشكل خلاصة احلام كاتبه 
 


 


حوار عزيزة علي


  عمان- يرى القاص أحمد أبو حليوة ان صوت فئة المهمشين الأكثر ضجيجاً على الصعيد الجواني والداخلي لكنها بالمقابل الأكثر سكوناً ولا مبالاة من قبل الآخرين على الصعيد الخارجي معتبرا اياها فئة مضطربة.. ثائرة بلا ثورة.. ومناضلة بلا سلاح”.


  ويضيف أبو حليوة الحاصل على بكالوريوس لغة عربية من جامعة دمشق العام 1997، وصدرت له مجموعة قصصية (سعير الشتات) بدعم من وزارة الثقافة في العام 2004،  ان المناضل في كتاباته ليس سياسياً فقط ، بل اجتماعي واقتصادي ايضا، معتبرا انه في ابداعه انما يعكس صورة المواطن العربي وهو يركض بلا أمل لتحقيق أبسط حقوقه الإنسانية ” الغد التقت القاص ابوحليوة وكان معه هذا الحوار


*بوحك الأول كان في دمشق، كيف كانت ارهاصات البداية؟


-دمشق – العاصمة الأقدم على وجه الأرض- كانت مسقط رأسي العام 1974، ومن ثم  فهي مسقط قلمي عندما بدأت كتابة أولى محاولاتي القصصية بعنوان (ما بعد القضبان) والتي لم أكملها حتى الآن.


وارى ان التاريخ لا يمكن إغفاله على صعيد الأنا على الاقل ، وإن كان بالإمكان تزييفه والتلاعب به على صعيد الآخر، هذا الآخر الذي قد يكون شعباً بأسره- للتاريخ- أقصد تاريخي الشخصي، وبعد ثلاثة عقود ونيف من العمر- وهي ليست بكثيرة- أسمح لنفسي التوقف عند مفاصل ومقاطع من حياتي، التي شابها أحداث غريبة وفريدة لعب القدر فيها دوراً كبيراً ومؤلماً أيضاً، فسنتي الأولى كانت في دمشق مع أبي وأمي، وسنتي الثانية كانت في الزرقاء مع أمي، وقبل أن أكمل العامين كان لي نقلة أخرى، وفي الزرقاء أيضاً، حيث نقلت للعيش مع المرأة التي قلت عنها في الإهداء الذي تصدر مجموعتي القصصية (سعير الشتات): “امرأة وهبت طفولتي دفئها والحكايا.. ومنحت حياتي أبجديتها الأولى ورحلت” – هذه المرأة السبعينية هي جدتي – والدة أبي- التي كان يفوح منها عبق الأرض التي هُجرت منها هجرتين، تاركة خيمتها هناك على أرض بئر السبع العام 1948 بكل ما فيها من ذكريات طفولتها البدوية وصباها لتعيش محرقة التهجير الصهيونية الثانية للشعب الفلسطيني العام 1967، عندما اضطرت- وهي الأرملة- لتترك فتات ما تبقى لها من الوطن من بيت في مخيم العروب بالخليل، وتنزح صوب الشرق.


عشت مع هذه المرأة –جدتي- بكل ما تحمل من لجوء ونزوح وغربة وفقر في غرفة واحدة.. وحدنا، عشت خمس سنوات عزيزة على قلبي مع هذه الجدة الرائعة رحمها الله، خمس سنوات شكلت وتشكل مرجلاً يأبى الفتور.. بركاناً يأبى الخمول.. شمساً تأبى الأفول في أعماقي التي تحنّ إلى خبز جدتي وقهوة جدتي وسريرها الحديدي وقداحتها الكازية ودخانها الهيشي، تنقلت بعد ذلك للعيش في بيت عمتي في عمان حيث أسرتي الجديدة والمرحلة الرابعة من حياتي ولم أتجاوز العام السادس من عمري، أسرتي الجديدة التي أكن لها الحب والتقدير والفضل الكبير، أسرة عشت فيها ثلاث عشرة سنة، ومنحت فيها أماً جديدة وعظيمة هي (أم نوفان) وأربعة أخوة وأخت، وأنا الوحيد لأبي وأمي، ومرة أخرى تربيني أرملة أخرى فقدت زوجها شهيدا قبل خمسة وثلاثين عاماً، هذه المرأة الأمية التي خرّجت  –رغم ظروفها القاسية- خمسة من أبنائها متعلمين، ثلاثة – وأنا واحد منهم- حاصلون على شهادات جامعية.


بعد عمان التي تلقيت فيها تعليمي الابتدائي والإعدادي في مدارس(الوكالة) وحصلت منها على شهادة الثانوية العامة، عدت إلى دمشق عام 1993 بعد عقدين من الزمن تقريبا،ً وهناك كان أبي الذي أعتز به وأفتخر، فهو أحد المحاربين القدامى وشاهد على العصر الفلسطيني منذ أواسط الخمسينيات –بدء عمله النضالي- وحتى الآن. تركت شقة عمتي الصغيرة بغرفها الثلاث والتي كان يعيش في جنباتها اثنتا عشرة نفساً لأسافر إلى دمشق وألتحق بجامعتها، وأعيش في بيت أبي في مخيم اليرموك، هذا البيت ذو الغرف الخمس والذي تشبه تفصيلته البيوت الشامية، هذا البيت الذي لا يضم سواي وأبي وزوجته.


من أجل ذلك.. وبعد ذلك كله كان البوح الأول في دمشق، وكانت البداية على شكل مذكرات وخواطر ودفقات على صفحات دفتر أجندة عام 1993، ومن ثم بدأت الكتابة عندي تأخذ شكلها القصصي عام 1994، فكانت قصة (هيا يا طفلتي) الموجودة في مجموعتي القصصية (سعير الشتات).


*في المقدمة التي كتبها الدكتور محمد عبيد الله قال بما معناه أنك قارئ جيد، إلى أي مدى يعكس الكاتب ثقافته وقراءاته على منجزه الإبداعي؟


-قد أكون قارئاً لكنني لا أعتبر نفسي قارئاً جيداً، هذه هي رؤيتي الشخصية تجاه نفسي، رغم رغبتي الهائلة بأن أكون قارئاً نهماً، إلا أن ضيق الوقت أو خنقه بالنسبة لي يحول بيني وبين تحقيق هذه الأمنية، وكيف لا والعمل المجهد يستغرق نصف نهاري يومياً، ومع ذلك فإنني أتشرف بما قاله الدكتور المبدع محمد عبيد الله عني.


وعن مدى انعكاس  النص الإبداعي على ثقافة الكاتب فإنني أرى أنه – أي النص- يشكل خلاصة تجارب وقراءات وأفكار ورؤى وأحلام كاتبه، فأنا مثلا عبرت عن تجربتي الإنسانية مستفيداً من قراءاتي وتحديداً للأدب الروسي، بالإضافة إلى علاقاتي الثقافية عبر الصداقات والمنتديات والصالونات الأدبية، لأجمع ذلك كله في بوتقة واحدة وأقدمه في مجموعة قصصية حملت في ثناياها كثيراً مني وقدمت بشكل غير مباشر الكثير عني.


 *اهتمامك  بالمهمشين في الحياة، يبدو واحدا من الثيمات الطاغية في كتاباتك ، لماذا هذه الفئة دون غيرها؟


-قد تكون إجابتي على السؤال الأول قد ألقت الضوء على الخلفية الحياتية لأحمد أبو حليوة كإنسان وليس ككاتب، هذه الخلفية التي لا يعرفها كثير من أصدقائي المقربين من المثقفين تحديداً، لا لشيء بل لأنهم تعرفوا عليّ في مرحلة بدت حياتي فيها سائرة بشكل طبيعي وخاصة بعد الزواج عام 2002 وبالتالي غير مستفزة للدهشة والسؤال كما هو الحال أيام المدرسة أو حتى أيام الجامعة.


من هنا كان لتهميشي الطفولي المؤلم في هذا المجتمع، أثره الكبير، فعيشي على هامش أسر أخرى جعل المهمشين كثر في حياتي أولهم أنا، وآخرهم شعبي الذي يُسعى لمحوه من صفحات التاريخ وحشره في زاوية ضيقة من رقعة الجغرافيا.


أحب المهمشين لأنهم الفئة الأكثر ضجيجاً على الصعيد الجواني.. الأكثر سكوناً ولا مبالاة من قبل الآخرين على الصعيد الخارجي، ولذا فهم فئة مضطربة، ثائرة بلا ثورة، مناضلة بلا سلاح، المهمشون فئة أدمنت الصبر واحترفت الشقاء، فهم كالنباتات البرية ينمون في العراء، يذوقون العطش، ويتحملون حرارة الشمس، ويقاومون برودة الشتاء، هم كل هؤلاء، ولذا فقد شكلوا لي مادة حية ودسمة للكتابة.. مادة زاخرة بالأعماق، فسيحة بالآفاق، فكيف بعد ذلك لا أهتم بهذه الفئة التي كنتها، والتي أراها كل يوم في المجمعات والحافلات والزقاق.


*الوطن والمناضل والحرية من أهم عناصر قصصك، لماذا اخترتها في الوقت الذي غابت فيه لدى أغلب الكتّاب، ثم من أين نهلت هذه العناصر؟


-فقدان الوطن بهذه الطريقة البشعة جذّره وعمّقه وعملقه فيّ، وسلبُ الإنسان وطنه –حتى لو كان صحراء قاحلة- أمر في غاية الإيلام المزمن والموحش أيضاً، ومن منطلق ظروفي الشخصية وحياتي الطبيعية وسط وسطٍ تأثر كثيراً بمجريات وتبعات القضية الفلسطينية، كان من الضروري أن يتجلى حضور الوطن في كتاباتي كما هو حاضر دوماً في أعماقي.


أما المناضل السياسي فكان أبي وأقربائي وبعض معارفي وتاريخ شعبي، والمناضل لم يكن سياسياً فقط في كتاباتي، بل كان اجتماعياً عكستُ فيه صورة المواطن العربي وهو يركض في هذه الدنيا –بلا أمل- لتحقيق أبسط حقوقه الإنسانية –لقمة العيش- إنه نضال غير بسيط يستهلك جهدنا وأحلامنا ويستنزف طموحاتنا وأعمارنا، ولذا حاولت جاهداً أن أدفع أبطالي للثورة على واقعهم الاجتماعي المأزوم والاقتصادي الصعب الذي يعمل على ترويضهم وإقناعهم باللاجدوى من كل شيء.


وبالنسبة للحرية فهي مفهوم كبير لا يبدأ من عند الاحتلال فقط بل ومن عند الاستقلال أيضاً، ولذا كان أبطالي يبحثون دوماً عن حريتهم.. حريتهم الحقيقية كما هو الحال في قصة (يقظة الصمت) وقصة (وما زال ينتظر) وليست الحرية المزيفة كما هو الحال في قصة (نهاية مناضل).


والحرية قد تكون مفهوماً نسبياً، فهي التخلص من الغربة كما هو الحال في قصة (العائد) أو الفكرة في (النبي الأخير) أو الاغتراب في (المهاجر) أو العبودية في (حاضر) أو الضغط الاجتماعي في (رحلة جسد) أو الفقر في (الدواء) أو الذكرى في (الشيخ والثلج) أو الوسواس القهري في (لحظات) أو الدكتاتورية في (أبو المعاطف) أو الخوف في (قهقهات المدينة).


هذه العناصر – الوطن والمناضل والحرية- عناصر لم أخترها، بل عشتها لحماً ودماً وكنت على تماس مباشر معها حياتياً وشعورياً، فكانت عتبة إحساسي بها عالية، وأما عن غيابها لدى الكتّاب الآخرين -وخاصة كتّاب الألفية الثالثة- فذلك قد يعود إلى اختلاف الظروف العربية والإسلامية والعالمية المثيرة للإحباط والمخيبة للآمال بالنسبة لجيل يبدع في عصر بات العهر فيه فناً، والالتزام ظاهرة آخذة بالانقراض ومثيرة للشفقة.


*قصتك (وما زال ينتظر) فيها الكثير من الصور التي باتت تكلح في ذاكرة البعض وأنت فيها تطرق ناقوس الخطر من مشروع التوطين، ماذا تقول في ذلك؟


-قصة (وما زال ينتظر) قصة مهمة بالنسبة لي ، ذلك لأنها سجلت بعض تجاربي في مخيم البقعة، هذا المخيم الذي دخل حياتي بقوة في أواسط  الثمانينيات، وذلك عندما حصلت على بطاقة (كرت مؤن) من وكالة الغوث، هذه البطاقة التي أهلتني لدخول تجربة فريدة هي تجربة طابور المؤن، هذه التجربة التي لم تكن في حينها سهلة بل كانت مرهقة ومتعبة وشاقة، وثمينة أيضاً جراء الحصول على علب اللحم والسردين وكيلوات الأرز والسكر والطحين والحليب وغير ذلك من مواد عينية لا يتجاوز بيع حصة الفرد منها الخمس دنانير.


خوضي لهذه التجربة ورؤيتي للآلية التي نما فيها مخيم البقعة من مدّ لشبكات المياه للبيوت وتعبيد للشوارع والأزقة، ومن ثم استبدال (البراكيّات) بغرف اسمنتية لتأتي بعد ذلك مرحلة الطابق الثاني، وغيرها من تطورات عاينتها عن كثب، دفعت بي لكتابة هذه القصة التي بالتأكيد لا أقف فيها معارضاً لأوجه التطور والتحديث وإنما أتطرق إلى موضوع غاية في الأهمية وهو الخيمة بمفهومها المجازي ودلالاتها النضالية، فالخيمة يجب أن تعشعش في قلوب وعقول الفلسطينيين، وألا يهدموها في نفوسهم ذلك لأنها رمز يفترض أن يبقى شاخصاً على قضية اللاجئين وحق العودة، هذا الحق الذي لا يملك حق التنازل عنه سوى الشعب نفسه، هذا الحق الذي لن يعود إلا بمزيد من بذل التضحية والدم ، والمعركة مستمرة وعجلة التاريخ تدور، ولذا يجب أن نبقي على جمرة الوطن مشعة متوهجة فينا رغم كل هذا الظلام الدامس الذي يغطينا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock