أفكار ومواقف

اتجاهات الإصلاح السياسي من منظور ما بعد الحداثة

     كيف تراجع الحديث عن التنمية السياسية عالميا لصالح خطاب الإصلاح السياسي؟ للإجابة عن هذا السؤال لابد من التذكير بأن المفهوم الأول من إنتاج الحداثة السياسية الغربية، اما المفهوم الثاني فهو قادم من مناخات ما بعد الحداثة، حيث ضياع الثقة بمشروع الحداثة في الكثير من ملامحه.


     إذ شهد العالم الموجة الجديدة من التحولات الديمقراطية في النظم السياسية، ومع ازدياد التعقيد والتطور الذي لحق بنظم السياسة والاتصال، أصبح العالم الجديد في العقد الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين يتسم بمجموعة من المحددات، أهمها التأثير العالمي المكثف المرتبط بالعولمة، والتي أثارت احتمالات كبرى بشأن أشكال من الائتلافات والاندماجات، أو النزاعات والتناقضات والتفكك. ويتزامن هذا التيار العالمي مع اتساع واسع لتيار ما بعد الحداثـة، الذي يواكبه اهتزاز الارتباط بالتقاليد والهويات، مما دفع المجتمعات إلى التمترس خلف خصوصياتها الثقافية في سلوك دفاعي. ومن الملامح الاخرى لتيار ما بعد الحداثة السياسية، ما نشهده من تغير في مفهوم العالم، وتعاظم دور وسائل الإعلام، والإحياء الديني والاثني، وتمازج الخطابات، وتعاظم الدور السياسي للعواصم. كل ذلك جعل من مشروع الحداثة الغربية موضع الشك وخيبة الأمل.


       وتأتي هذه المتغيرات في بيئة مشبعة معلوماتيا، مما يعني ضرورة التعامل مع المعلومات بآلية التصفية والتنقية المستمرة، وتقديم الاستجابة المطلوبة في الوقت الذي تتجه فيه الاستجابات لتصبح عالمية النطاق. هذه الاستجابات الفورية تؤثر في سلوك الأفراد والجماعات، وتحدد مواقفها من التحديث، بما فيه تنمية الحياة السياسية وتطويرها.


        لقد ارتبطت ثورة المعلومات والاتصالات في العالم، إلى جانب التحولات التي أحدثتها في الإنتاج والعمل، بازدياد أشكال التنوع الثقافي والاجتماعي، وبالتالي المزيد من التعددية السياسية، في ضوء الاندماج العالمي وتزايد ضغوط التأثير، مما دعا الكثير من الباحثين إلى التساؤل عن الأهداف الجديدة للتنمية السياسية؟ وفي الوقت الذي اتجه فيه تيار التنمية السياسية نحو طرح سؤال الإصلاح السياسي للنظم التقليدية التي مازالت بعيدة عن التحول الديمقراطي في العالم النامي ولم تحدث تنمية سياسية حقيقية، طرحت أهداف أخرى للإطار النظري الجديد للتنمية السياسية على المستوى الإنساني، تتلخص بأربعة أهداف، هي: الأمن، والتوسع الإقليمي، وتقليل النزاعات والاحتكاكات الخارجية وتقليل الخلافات أو الإشكاليات الداخلية. وترتبط بهذه الأهداف ثلاثة أهداف أخرى فرعية، هي: العدالة والنظـام والحرية.


      وفي هذا الصدد، باتت اتجاهات البحث في التنمية والإصلاح السياسي في العقد الأخير تتجه نحو العودة إلى دراسة الدولة، في ضوء عوامل ومتغيرات أهمها أن الدولة لم تكتمل في الكثير من المجتمعات النامية، إلى جانب انهيار دول قائمة، كما حدث في الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا ودول شرق أوروبا الأخرى، مما طرح مسألة إعادة بناء دول أو دولة جديدة على آثار دولة منهارة أو متفككة.


      وتأتى العودة إلى دراسة الدولة بالتزامن مع دعوات أخرى إلى نهاية عصر(الدولة-الأمة) أو (الدولة القومية الحديثة)، التي يرجع ظهورها إلى الثورة الصناعية. وهو التراجع الذي يعزى إلى تأثيرات الاتصالات وثورة المعلومات والاقتصاد المعرفي، والتي تقود الحضارة الإنسانية نحو تشكيل قاعدة مجتمع مدني عالمي.


       ومنذ تسعينيات القرن الماضي، وعلى اثر التحولات العميقة في بيئة النظام الدولي والانفجار المعلوماتي والاتصالي، أخذت الأدبيات العلمية تنمو بالتدريج نحو مبحث الإصلاح السياسي، وتقدمه على التنمية السياسية في إطارها العام. وقد اخذ هذا التطور تأصيله العلمي من المناقشات الكبرى التي شهدتها الولايات المتحدة في هذه المرحلـة، وبالتحديد في ضوء انهيار الاتحاد السوفييتي؛ إذ ظهرت الفكرة المركزية حول الانتصار النهائي لليبرالية الديمقراطية والتي جاء بها “فوكوياما” تحت عنوان “نهايـة التاريخ”، بإعلانه نهاية الحراك الاجتماعي البشري بنموذج الليبرالية الديمقراطية، وأنه يجب على مجتمعات العالم إصلاح أنظمتها بما يتفق وهذا النموذج. ومن ثم، عاد البريق إلى مفهوم الإصلاح السياسي، الذي اخذ بعدا دعائيا في وسائل الاعلام اكثر من التأصيل العلمي؛ فالحراك البشري لم ينشأ -بحسب فوكوياما- عن بحث الإنسان عن الرضا والسعادة الفرديـة، كما قرر جون لوك وتوماس هويز في عصـر الأنوار، بل يعـود بهذا الحراك إلى التفسير الهيغلي، الذي يقول ان الدافع للحراك التاريخي كان وما زال توق الإنسان المحض إلى “تحقيق الذات”.


       يرى فوكوياما ان الديمقراطية الليبرالية لا يمكن ان تدخل من الباب الخلفي، بل يجب ان تأتي في لحظة ما من قرار سياسي واعٍ ومقصود، يعمل على تأسيس الديمقراطية. وفي الوقت الذي قد يعمل هذا القرار على إيجاد صدام وصراع بين أطراف مؤيدة وأخرى معارضة، إلا ان ربط التحول الديمقراطي يدل على ان التغيير الاجتماعي والسياسي لا يشترط دوماً صداماً أو عنفاً من اجل تحقيق الديمقراطية، بل ان التغيير الديمقراطي يأتي أيضاً من خلال إصلاح واع وجريء. ومن هنا، عادت الإزاحة الفكرية إلى الإصلاح السياسي، وفق محددات الليبرالية الديمقراطية، بقوة أكبر من أي وقت مضى.


        ويعيد فوكوياما الإصلاح السياسي إلى قيم الليبرالية الديمقراطية، من خلال إدراك ان الرغبة الفعالة لدى الأفراد في علاج الفساد وإيجاد المجتمع الذي يحققون فيه ذواتهم بعدالة، هي واحدة من أهم عوامل إصلاح الأنظمة السياسية. وبذلك، فالأنظمة السائرة في التنمية السياسية، والراغبة في الإصلاح، أمامها مهمة إعادة تطوير مواردها البشريـة علمياً وإداريا، ومقاومة الفساد وتجفيف منابعه. ويتحقق إصلاح الدول بالانتباه إلى حاجة أساسية يسعى الفرد إليها، وهي ليست مجرد المكافأة المادية، بل التفرد والتميز والتقدير الذي يحصل عليه جراء ذلك، مما يتطلب إعادة النظر في القوانين والتشريعات من أجل تحقيق العدالة، وتوفير فرص متكافئة أمام الأفراد، وتقدير الإبداع والابتكار.


         وهنا يصل تيار عودة الليبرالية الديمقراطية إلى ان إصلاح الدولة يجب ان يقود إلى ان الدولة ليست أهم من الفرد، وأن الأمة ليست أهم من مواطنيها، وأن التأسيس الحقيقي للإصلاح السياسي يبدو في منح الأفراد الحقوق السياسية والحريات المدنية الطبيعية. فالأنظمة التي تتعامل مع الجموع البشرية سوف تصطدم بالفروق الحاصلة بينهم، وإصلاح الحقوق السياسية يقوم على فكرة العدالة وليس المساواة.

تعليق واحد

  1. سارتر
    ان الغرب لا يمنح العرب شيء من غير مقابل وكذلك لا يمنح شيء كان سبب في تفوقه من غير ان يكون هناك بديل

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock