أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

اتجاهات المديونية غير آمنة

كلما ظهرت أرقام النشرة الشهرية لوزارة المالية يبدأ الرأي العام والإعلام على حد سواء بتكرار السؤال الذي لم ولن ينتهي، وهو المديونية إلى أين؟
الكُل يرى في وصول الدين العام الى ما نسبته 107 % من الناتج المحلي الإجمالي مؤشرا خطيرا فعلا (47 مليار دولار)، وهي مؤشرات سواء أكانت بالنسبة أم بالأرقام المطلقة غير آمنة على الإطلاق ليس لأن حجمها ونسبتها كبيرة، بل لأسباب اقتصادية أخرى تستحق ان يسلط الضوء عليها.
خطورة المديونية بأنها تنمو في ظل نمو اقتصادي ضعيف، لا بل انه في السالب، بمعنى ان الاقتصاد غير قادر على توليد دخل.
في الأردن المديونية تستحوذ فوائدها السنوية ما يزيد على 1,45 مليار دينار، والخزينة تتعامل مع عمليات سداد قروض والتزامات داخلية وخارجية تقترب من 6 مليارات دينار سنوياً، وهي تسير باتجاه إقراض محل آخر، وهذا يجيب على تساؤل لماذا لا ينخفض الدين في الأردن؟
لا يمكن للحكومة ان تخفض دينها في ظل هذا الأداء الاقتصادي الضعيف، فالنمو السالب يعني أعباء جديدة على الخزينة التي فقدت جزءاً كبيراً من دخلها المتأتي من أنشطة اقتصادية استراتيجية مثل السياحة والتدفقات الاستثمارية وحوالات المغتربين.
حتى النمو الضعيف الذي كان قبل كورونا والذي لم يتجاوز في افضل حالاته الـ2 بالمائة لا يقدر أبداً على توفير مخصصات لمواجهة أعباء المديونية الداخلية والخارجية.
القضية ليست وليدة يوم، ولا يمكن تحميلها لهذه الحكومة أبداً، فهناك حكومات مثل حكومة النسور ساهمت في نمو جنوني للمديونية خلال اربع سنوات من ولايتها بواقع 8 مليارات دينار، رغم أنها حصلت على اكبر دعم مالي في تاريخ الحكومات الأردنية (3.67 مليار دولار) من المنحة الخليجية إضافة الى مساعدات مالية أخرى، ومع هبوط أسعار النفط بأكثر من 70 بالمائة في النصف الثاني من العام 2014، ورغم أيضاً قيامها برفع كُل أشكال الدعم عن المحروقات باستثناء أسطوانة الغاز، إلا ان الإدارة الرسمية للاقتصاد الوطني لهذه الحكومة كانت مصيبة بِكُل ما فيها من معنى، وخلفت كارثة اقتصادية تدفعها الأجيال المتعاقبة، لا بل إنها أيضاً رحلت مدفوعات والتزامات بقيمة 1.3 مليار دينار الى الحكومة التي خلفتها، وهذا يوضح كيفية ان جزءاً كبيراً من نمو الدين ووصوله إلى مستويات غير آمنة هو ناتج عن سوء الإدارة الرسمية وغياب المحاسبة والمساءلة، وليس له علاقة بأزمات المنطقة وتداعياتها المختلفة.
غياب الضبط المالي في نفقات الدولة على مر السنوات الماضية أدى الى تضخم كبير في تلك النفقات التي بات من واجب الخزينة توفير مخصصات لها لتأمين تشغيلها بأي شكل من الأشكال، وأفضل مثال على ذلك، مشاريع برنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي التي كانت تمول ضمن برنامج مستقل ومنفصل عن الخزينة بكلفة وصلت إلى ما يقال عن الـ750 مليون دولار، ثم إدخال هذه المشاريع جملة واحدة إلى داخل الموازنة العامة بعد 2005، وهو ما يعني أنها باتت جزءا لا يتجزأ من نفقات الدولة، وبالتالي تضاعفت التزامات الخزينة تجاه توفير مخصصات مالية لهذه النفقات لأن في غالبيتها ليس لها قيمة مضافة عالية على الاقتصاد الوطني، مما دفع الحكومة حينها إلى عمليات الاقتراض سواء الداخلي ام الخارجي لتلبية الاحتياجات التمويلية المتزايدة على الخزينة.
الحكومة بأمس الحاجة إلى قرارات جريئة لتسريع الحراك الاقتصادي الداخلي الذي يعمل باتجاه متواز في تعزيز بيئة الأعمال والاستثمار، وإصلاح المنظومة الإدارية، وإعداد خريطة مشاريع بالشراكة بين القطاعين، ومنح دفة النمو الاقتصادي للقطاع الخاص الأكثر قدرة على التشغيل والنمو، حينها سيتولد للخزينة دخل جديد يمكنها من الوفاء بالتزاماتها بشكل مريح، وتتجه حينها للاقتراض من اجل التشغيل والاستثمار وليس من أجل دفع النفقات الجارية كما يحصل الآن مع كُل أسف.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock