آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردنيتحقيقات

اتفاقات سرية بين الأقارب تنعش “سوق” بيع الكلى

"الاتجار بالبشر" لم يوثق أي حالة بيع أعضاء بشرية في المملكة منذ 3 سنوات

تحقيق حنان الكسواني

عمان – قررت عائلة العشريني ضرار إنهاء معاناة ابنهم البكر عن طريق شراء كلية له من أحد أقاربهم، ضاربين بعرض الحائط أي تخوفات “أمنية” أو عقوبات جزائية تصل حد “الحبس والغرامات المالية بتهمة جريمة الاتجار بالبشر”.
قيود قانونية تسبب الموت البطيء لعائلات أردنية تمنع التبرع الا من قرابة من الدرجة الاولى حتى الخامسة أحيانا او الانتظار على القوائم الوطنية للتبرع، ما دفع بأسرة ضرار الى شراء “عضو بشري من جسم قريبهم” للتخفيف من آلامه الجسدية والنفسية بسبب فشل كلوي يتعايش معه طيلة حياته.
حاول ضرار من سكان محافظة الزرقاء التعايش مع مرضه المزمن، لكنه بحسب قوله لـ “الغد “خلال فترة اعداد التحقيق ان “أمله كبير بنجاح عملية زراعة كلية تنهي ألمه وتوقف حسرات والدته لعدم تطابق انسجتها مع انسجته”.
بتكتم شديد، عقد أهل ضرار اتفاقية “مقايضة التبرع بالكلى مقابل بدل مالي” مع أحد اقاربه على أن يحظى بملكية منزل صغير في احدى المناطق الشعبية بعد نجاح العملية.
تكللت الاتفاقية التي تابعت “الغد” تفاصيلها، بالنجاح، وبدأ الطرفان سلسلة اجراءات طبية عاشها الطرفان من أجل اثبات تطابق الأنسجة وزمرة الدم، وصولا الى لجنة في مستشفى البشير الحكومي التي وافقت على إجراء العملية المجانية بعد الاطلاع على الأوراق الرسمية والطبية والتأكد من عدم ارتكاب جريمة اتجار بالبشر.
قبل أيام معدودة فقط من اتمام صفقة البيع “المخفية”، فاضت روح ضرار بصمت وجسده مربوط بأسلاك تفلتر دمه عبر جهاز الكلى الاصطناعي في احد المستشفيات الخاصة.
تبخرت أحلام بائع عضوه البشري الثلاثيني رائد (اسم مستعار)، إذ كان يطمح الى تحسين وضعه الاجتماعي والاقتصادي، بحسب حديثه لـ الغد”، قائلا: “تعرضت لضغوطات نفسية واجتماعية غير مباشرة من أقاربي، لكنني حسمت أمري لإنقاذ قريبي من جهة والتخلص من ايجار شهري يرهق ميزانيتي من جهة ثانية”.
سيارة ثمن كليته
سبعة آلاف دينار كانت كلفة شراء الكلية، ولا سيما أن قائمة الانتظار الوطنية للتبرع بالأعضاء تتجاوز 300 منتظر في بلد لا تغطي فيه نسبة المتبرعين بالأعضاء 10 % من المحتاجين.
“الفقر والبطالة والجهل بالقانون” دفعت بشاب ثلاثيني ان ينزع كليته لابن عمه الشاب زياد لإنهاء معاناة غسيل كليته في احد المستشفيات الحكومية التي استمرت اكثر من 5 سنوات.
غمرت الفرحة والدي زياد (اسم مستعار)، لكنها كانت ممزوجة بالقهر لعجزهما عن توفير هذا المبلغ وفي الوقت ذاته تحقق حلمهما باسترجاع حياة ابنهما وانهاء معاناته بحسب قول والدته لـ “الغد”، فبعد اكثر من 6 أشهر من المد والجزر مع “بائع الكلى خفض المبلغ الى خمسة آلاف دينار لأن حلمه ان يشتري سيارة صغيرة يعمل عليها (سرفيس خاص) في شوارع محافظة اربد.
رغم أن ثمة فروقات بين حلم والدة المريض وبائع كليته، الا أن المصالح العاطفية والمالية توافقت بين الطرفين، ضاربين بعرض الحائط “قوانين تمنع الاتجار بالبشر او احتمالية رفض إجراء عملية مجانية في مستشفيات حكومية اذا تسرب خبر”صفقة البيع لإدارة المستشفى”.
أجريت عملية زرع الكلى للشاب العشريني زياد في مستشفى الامير حمزة قبل سنتين مضت، وتكللت بالنجاح، حسبما اضافت والدته، الا انها فضلت عدم البوح عن تفاصيل الاتفاقية والعملية ودفن سر هذه الصفقة بكل تفاصيلها المفرحة والمؤلمة معا بين الاقارب.
إذا تمكنت اسرتا زياد وضرار من انجاز صفقة شراء الكلية في الاردن، فإن ما يقارب 399 مريضا بالفشل الكلوي ينتظرون بفارغ الصبر ان يرن هاتفهم ليحقق احلامهم قبل ان تضرم النار بها، وتفترش قبورهم قبل ساكنيها.
اقرار أمني بصفقات سرية
فيما أقر مصدر أمني مطلع لـ “الغد” بوجود صفقات لبيع الكلى بين أردنيين تتم بشكل سري، لكن اثباتها في غاية الصعوبة كونها ضمن دائرة الاقارب، تحفظت لجان طبية على الموافقة للمتبرع الحي بسبب قناعات تولدت لديها بأن المتبرع تعرض الى ضغوطات او انه متردد.
وترتئي اللجان عدم الإفصاح عن الاسباب الحقيقية لرفضها عملية التبرع بين الأقارب، وفقا لمصدر رسمي في وزارة الصحة الذي استند بقوله لـ “الغد” إلى المادة 4 من قانون الانتفاع بالأعضاء لعام 1977 وتعديلاته والتي تنص على أنه “لا يجوز ان يتم التبرع بالعضو مقابل بدل مادي او بقصد الربح (…) وان يوافق المتبرع خطيا، وهو بكامل ارادته وأهليته على نقل العضو من جسمه وذلك قبل إجراء عملية النقل”.
ورغم هذا الإقرار الأمني لم تسجل وحدة الاتجار بالبشر منذ عام 2016 حتى منتصف العام الحالي 2019 أي جريمة انتزاع أعضاء بشرية، كونها “جريمة صامتة” يتطلب اثباتها وقتا وجهدا من الاجهزة الامنية التي تعمل تحت مظلة عده قوانين بذات الاختصاص.
بينما أشارت المادة 10 من قانون الاتجار بالبشر رقم 9 لسنة 2009 إلى “أنه يعاقب بالحبس لمدة ستة أشهر كل من عمل لوجود مخطط ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة (9) من هذا القانون (متضمنة نزع الاعضاء) او علم بوقوع احدى تلك الجرائم ولم يقم بتبليغ الجهات الرسمية”.
حققت وحدة الاتجار مع شاب (18 عاما) بعد وفاة والده لمعرفة أسباب تبرع الأخير بكليته، حول ما إذا ما كانت عملية التبرع بمقابل مالي أم لا، حسبما أكد ذووه لـ “الغد”.
يستغل “بائع كليته لأقاربه حاجتهم الماسة لجزء من جسمه ولا خيار آخر أمامهم، إلا دفع المبالغ المالية مستفيدين من دائرة قانون الانتفاع بالأعضاء وتعليماته والذي يسمح بالتبرع من شخص حي من درجة القرابة الاولى وحتى الرابعة واحيانا الخامسة او المتوفين دماغيا.
هذا السلوك، اعتبره بعض الخبراء في الاجتماع والأخلاقيات الطبية مؤشرا خطيرا على انهيار التكافل المجتمعي في الأردن وتحولا في منظومة القيم التي تستند إليها الأديان السماوية والقانون والاخلاق.
ولم يلق خبير الاخلاقيات الطبية الدكتور هاني جهشان باللائمة على سلوكيات أهل المريض فقط الذين يبحثون عن طوق نجاة لأبنائهم، بل اعتبره قصورا قانونيا ورسميا بتشجيع ثقافة التبرع بالاعضاء.
قال الجهشان لـ “الغد”: “أي مبلغ للمتبرع غير مقبول قانونيا ولا اخلاقيا غير أن الحل يكمن بتشجيع حملات التبرع بالأعضاء والأنسجه والخلايا، وتوسيع دائرة القرابة بتوصية من ادارة المركز، مع توفير امكانية نقل الاعضاء بواسطة طائرة هيلكوبتر من المستشفى الذي حصلت به الوفاة الى مستشفى المتلقي”.
وأوضح اختصاصي الارشاد النفسي الاجتماعي موسى مطارنة أن المريض بأمس الحاجة لعضو بشري يمنحه فرصة العيش “فلماذا يضطر أن يقايض قريبه ثمن حياته، هذا بحد ذاته خرق في السلم الاجتماعي وتبديد للقيم الوطنية والدينية والأخلاقية المغروسة في افراد المجتمع الاردني”.
أما أسرة المريض المقيدة بالقانون فستشعر بالقهر والإحباط، وتفقد معنى الحياة ورمزية علاقة القرابة والاخوة القائمة على العطاء والتضحية بعيدا عن المصالح المادية، وفق مطارنة الذي قال “كثرة البائعين مؤشر على قلة المتبرعين وضعف الانتماء للوطن”.
من جهته اكد مدير مديرية المركز الاردني لزراعة الاعضاء الدكتور عبد الهادي بريزات ان المديرية أولت جهدا مكثفا لرفع نسب المتبرعين من احياء ومتوفين دماغيا، وذلك عن طريق نشر ثقافة التبرع في الجامعات والمنشآت الصحية ودور العبادة وتوزيع بطاقات التوصية للتشجيع على التبرع بالأعضاء.
وبناء على ذلك، حصلت زيادة في نسبة التبرع من الأحياء بمعدل 8.1 % وارتفعت درجة القرابة من الدرجة الأولى والثانية حتى الدرجة الخامسة.
كما ساعد المركز في تطوير الإجراءات التشريعية للتبرع ونقل وزراعة الأعضاء في الأردن من خلال التنسيق المستمر مع دائرة الافتاء العام، الذي أكد ضرورة بذل أسباب التحري الكافية من قبل الجهات الطبية والقانونية والرقابية ليكون الامر على سبيل التبرع وبما يساهم في توسيع درجة القرابة من المتبرعين الاحياء.
تبادل الكلى بين المرضى قيد الدراسة
كما تابعت مديرية المركز الاردني حالات الوفاة الدماغية المبلغ عنها، حيث تم توثيق 67 تبليغا عن حالات وفاة دماغية محتملة، 17 حالة في القطاع الخاص و50 في القطاع العام وتم اتباع البروتوكول المعتمد في التعامل مع هذه الحالات، وفق بريزات.
وحول امكانية إدراج برنامج تبادل الكلى بين العائلات الأردنية، المعمول به في بعض دول العالم وبشكل أقل في بعض دول الإقليم تعهد بريزات بـ “عرضها ومناقشتها على لجنة الأخلاقيات الوطنية في المديرية”.
يذكر أن عدد الحاصلين على بطاقة التوصية للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة بلغ 890 شخصا، حسب احصائيات المركز الذي رصد 1823 عملية (1713 كلى، 109 كبد، 1 قلب )، واجريت في القطاعين العام والخاص خلال الاعوام 2011 – حتى النصف الأول من العام الحالي. .
وما زالت الطفلة اخلاص تركي 14 عاما من سكان النعيمة بمحافظة اربد بانتظار موافقة مديرية المركز الاردني لزراعة الاعضاء لزرع كلية لها من متبرع خارج دائرة الاقارب تطابقت انسجته مع انسجتها، فيما توفيت الطفلة رانيا 16 عاما وهي تنتظر دورها بكلية مطابقة تزرعها في جسمها، لكن كل ما خلفته وراءها بصمة أكاديمية يشهد لها معلماتها وزميلاتها بالمدرسة في منطقة الخالدية بمحافظة المفرق.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock