أفكار ومواقفرأي اقتصادي

اتفاقيات سرية

إذا كانت اتفاقية السلام التي تعد الأكثر جدلاً في المجتمع لأبعادها المختلفة اتفاقية علنية الكل يعلم بمضمونها وبنودها، فلماذا تكون بعض الاتفاقيات الاقتصادية سرية لا يعلم بها أحد حتى مجلس النواب؟
سؤال يطرح بين الحين والآخر على ضوء الجدل الحاد الحاصل في المجتمع على بعض الاتفاقيات التي أبرمت سراً لا يعلم بها أحد، ولم تمرر على مؤسسات الدولة الدستورية مثل اتفاقية الغاز وقبلها اتفاقية جدولة ديون الأردن الخارجية مع نادي باريس 2008، واتفاقية الكازينو الشهيرة 2007 التي شكلت فضيحة مدوية للحكومة حين انتشر خبرها وعلم بأمرها، والآن أيضاً اتفاقيات الطاقة، وعلى رأسها اتفاقية مشروع العطارات التي لم ير بنودها أو تفاصيلها غالبية الجهات الرسمية في الدولة، وكانت محصورة بعدد لا يتجاوز أصابع اليدين في معرفة مضمونها وخباياها.
للعلم، يحق للمتعاقدين على أي اتفاقية ثنائية أن يخضعها للسرية، وهذه من الناحية القانونية سليمة ولا يستطيع أحد أن يطعن بها قضائياً من ناحية سريتها، حينها يكون هناك ما يسمى باتفاق عدم إفصاح ثنائي، ويشار إليه أحيانا باتفاق عدم الإفصاح المتبادل أو اتفاق بعدم الإفصاح في اتجاهين، وهذا النوع من اتفاق عدم الإفصاح شائع عندما تتعاون الشركات فيما بينها في بعض المشاريع المشتركة أو ترغب في الاندماج، لكن أن يكون هناك اتفاق سري بين دولة وشركة يترتب عليه أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية، فهذا أمر عجيب ويثير التساؤلات حول الأسباب التي تدفع الحكومات إلى إبرام مثل هذا النوع من الاتفاقيات.
أتفهم جيداً أن تكون دول الاحتلال والانتداب البريطاني الفرنسي تخفي اتفاقية سايكس بيكو عن العالم، خاصة العالم العربي لتمرير مؤامراتهم في المنطقة، لكن لا أتفهم لماذا تكون اتفاقية مشروع العطارات سرية، حتى الإعفاءات التي حصل عليها المستثمر تكون في طي الكتمان والسرية، ولماذا تكون اتفاقية الغاز أيضا سرية؟
الحكومات التي أبرمت تلك الاتفاقيات وغيرها أوقعت الأردن بكامله في موقف محرج للغاية، ولم تستطع أي جهة رسمية أن تدافع عن الأسباب الموجبة لإبرام تلك الاتفاقيات السرية، وهذا ما شاهدناه في مناقشات اتفاقية الغاز الإسرائيلي المشؤومة التي كان الحديث عنها في مجلس النواب والإعلام معاً مثل الحديث عن الأشباح، فلا أحد يعلم تفاصيلها ولا بنودها ولا شروطها ولا توقيتها، وكل ما كان يتم مناقشته هو جزء من إعصار الإشاعات التي ملأت كل أركان المجتمع.
الاتفاقيات السرية، خاصة في المجال الاقتصادي، تفتح باب نظرية المؤامرة على مصراعيه عند الشارع والمسؤول الرسمي الذي لم يطلع عليها أو علم بخبرها، وهو مبرر في ذلك، لأنه لا يوجد إفصاح رسمي في التعاطي الإعلامي مع ما تم تداوله بشكل رشيد.
هذه الاتفاقيات تفسر بالشارع بأنها جزء من الفساد الإداري والمالي الخفي الذي تمارسه الحكومات ولا يستطيع أحد محاسبتها باعتبارها جهات محصنة من المساءلة والتقييم، وشاهدنا العديد من مناقشات السادة النواب في جلساتهم، خلال الأعوام الماضية، كيفية تداولهم اتفاقيات الكازينو وبيع أسهم الفوسفات واتفاقية الغاز، وكلها مناقشات يا للأسف لن تجيب عن تساؤلات الشارع والمراقبين حول كيفية وأسباب إبرامها، وبقيت الشبهات تدور حولها وحول الجهات التي دفعت بتوقيعها سراً وما هي مصالحها في ذلك.
الاتفاقيات الاقتصادية السرية ستبقى وصمة عار على جبين الحكومات التي تجاهلت حق الجهات الدستورية والمواطنين في معرفة حقيقة هذه الاتفاقيات، وبالتأكيد لن يغلق باب الحديث عنه طالما بقيت الحكومات تلتزم سياسة الصمت تجاهها وعدم اتباع الشفافية والنزاهة في طرحها للرأي العام.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock