أفكار ومواقف

اثنان وسبعون

تحل الذكرى الثانية والسبعون على احتلال فلسطين من قبل عصابات الصهيونية العالمية، وتأتي الذكرى في ظل ظروف عربية معقدة ودعوات تطبيعية تصدر من قبل أعراب تبدلت قناعاتهم، وتغيرت رؤيتهم، فغضوا النظر عن كل المجازر الصهيونية التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني والعربي، منذ العام 1948 وقبله وحتى اليوم، وبات بعضهم يرى في هذا الكيان الذي تجمع في أرض فلسطين من شتى بقاع العالم وهجّر أصحاب الأرض الحقيقيين، أصحابَ حقّ!!، لا بل إن بعضهم تطاول على المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين ونال من دماء الشهداء وتضحيات الأسرى.
ليس غريبا في هذا الزمن الرديء أن نسمع مثل هذا الطرح غير الواقعي التطبيعي، وليس غريبا أن نرى أوراقا تسقط في ظل هذا الانحدار الفظيع تجاه هاوية فكرية وحضارية بتنا نلمسها ونستشعر خطرها، ونتلمس حجم الخواء الفكري والمعرفي والإنساني الذي بات يسيطر على بعض أولئك الذين يتنطحون للحديث في السياسة والتاريخ دون أدنى درجات المعرفة.
ولذا فإننا ونحن نستظل ذكرى النكبة، نستشعر حجم الانحدار الذي بتنا نعاني منه وحجم التغول الصهيوني والأميركي على القضية الفلسطينية ومحاولاتهم زراعة تاريخ لا يملك الصهاينة لهم فيه أدنى وجود وأثر على أرض الواقع، تاريخ لا يعرفونه إلا قبل أقل من 100 عام على أكثر تقدير.
تستذكر النكبة، وميزان القوى لصالح المحتل الغاصب، والقرارات الأممية لا أثر لها ولا تأثير ولا احترام من قبل العصابات الصهيونية التي تحتل فلسطين هذه الأيام، يضاف لها صمت دولي دائم على كل التمرد الصهيوني والتعنت الفاشي والمجازر الإرهابية التي يرتكبها هذا الكيان بشكل يومي بحق شعب أعزل يرزح تحت نير احتلال قمعي متواصل.
لسنا بصدد إعادة التذكير بالقرارات الدولية والأممية التي أدار لها الكيان الصهيوني ظهره، ولسنا بصدد البحث عن حقائق تثبت أن هذا الكيان اللقيط ليس له في فلسطين المحتلة أثر أو تاريخ، إذ يكفي أن نستذكر معا أن فلسطين قبل الاحتلال إبان كانت البلاد تحت الاستعمار البريطاني كان رجالها يقاومون محتلهم بكل أنواع المقاومة المتاحة، ويكفي أن نستذكر ثورات اندلعت في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي أملا في استقلال منشود، ورفضا لمحاولات بريطانيا استحضار الصهاينة من بقاع العالم ووضعهم على أرض فلسطين، أملا في تغيير واقع، وفي ذات الوقت تخلص أوروبا من صهاينة أزعجوها بفاشيتهم وعنصريتهم.
فبريطانيا التي أبت أن تخرج من فلسطين قبل أن تسلم مفاتيحها لعصابات صهيونية فاشية، كانت شاهد عيان على ما فعلته تلك العصابات من قتل ونحر لشعب أعزل في العام 1948، وبريطانيا تلك تتحمل الجزء الأكبر من نكبة هذا الشعب، وساهمت في سرقة أرضه وثماره ومقدساته، وقتل أطفاله وشيوخه وشبابه، ورملت نساءه.
بالمجمل، فإنه رغم رداءة الوضع العربي، وتخلي البعض عن القضية الفلسطينية ومسارعتهم للتطبيع مع كيان مغتصب، ورغم أن الشرعية الدولية عوراء لا تريد تنفيذ قراراتها إلا على الشعوب العربية، وتغض النظر عن كيان غاصب لا يؤمن بالأمم المتحدة وقراراتها، ولا يخضع لأي قرارات دولية ويواصل قتله ونهبه لأرض ومقدرات شعب أعزل بكل صلافة ونازية، رغم كل ذاك فإن الحق لا يضيع ولا بد أن ينتهي هذا الاحتلال وإن طال الزمن.
فالشعب الفلسطيني الذي أنجب عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي أساطير مقاومة الاحتلال البريطاني قبل العام 1948 وكذلك عبد القادر الحسيني وناجي العلي ومحمود درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو وتوفيق زياد وفؤاد نصار وجورج حبش، وغيرهم الكثير الكثير لن ينسى أبدا أن فلسطين محتلة، فهذا الشعب الذي أنتج انتفاضة الحَجَر، وصمد في أطول إضراب عام 1936 لن ينسى أبدا حقه في أرضه، ولن ينسى أن هناك شعبا هجر من أرضه وسكن بدل عنه شعوب أخرى جاءت من مختلف زقاق العالم، هذا الشعب لن ينسى أبدا وسيواصل مقاومته تحت كل الظروف والمعطيات، وسيبقى يحمل مفاتيح عودته ويورثها جيلا بعد جيل.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock