أفكار ومواقف

اجتماعات الربيع والإشادة بالأردن

سلامة الدرعاوي

الاجتماعات السنوية الأخيرة لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن والتي تعرف باجتماعات الربيع أشادت بشكل واضح بالاستقرار الاقتصادي في الأردن، واعتبرت عملية الإصلاح الضريبي نموذجا حيا لبرامج الإصلاح التي طبقت وبدأت ثمارها فعليا تظهر في هيكل الاقتصاد الوطني.

الاستقرار الاقتصادي الذي حصل بالأردن رغم جسامة التحديات التي تعيشها المنطقة وارتفاع الأسعار عالميا وتزايد حدة التضخم وتداعياتها الوخيمة مع جائحة كورونا ما كانت لتتم لولا ثبات الحكومة على السير بتنفيذ حزمة الإصلاحات بالشكل المطلوب والالتزام بمعالجات التهرب الضريبي الذي كانت تقديرات النوعيات الدولية تدلل على انه يتراوح بين (600-800) مليون دولار، والآن بدأت مرحلة سلسلة الإصلاح الجمركي الذي تأخر كثيراً والذي كان ينظر له على انه نقطة ضعف في خاصرة الإصلاح الاقتصادي، بسبب عمليات المقاومة التي تقف في وجهه من قبل قوى نافذة في المجتمع بعضهم من يجلس على مقاعد الخدمة العامة.

الإجراءات التي اتخذتها الحكومات بالتعاون مع صندوق النقد الدولي حافظت على الاستقرار، ولولاها لكانت الأوضاع الاقتصادية غير ما هي عليه الآن، ولكانت استجابة الاقتصاد الوطني للضغوطات المباشرة أكثر وضوحا، لكن التزام الحكومات بالإصلاح عزز منعة الاقتصاد الوطني ضد الصدمات الداخلية والخارجية.

استقرار الاقتصاد وعدم تدهور الأوضاع حسب ما كان يتمناه البعض في الداخل والخارج على حد سواء كان بفضل عوامل أساسية اهمها استمرار سياسة البنك المركزي المحفزة لدعم الاستقرار النقدي وتعزيز قوة الدينار، وتوفير ملاذات آمنة للعملات الصعبة التي باتت تناهز الـ17مليار دولار غالبيتها متوالية من نشاط اقتصادي وليس نتيجة ودائع سيادية كما يعتقد البعض.

دعم المجتمع الدولي وتقديم المنح والمساعدات للاقتصاد الوطني وعلى رأسها الولايات المتحدة مؤشر مهم على ثقة مجتمع المانحين بالاقتصاد الأردني، الذي تعزز بالتزامن مع نظرة إيجابية مستقرة للتصنيف الائتماني السيادي للمملكة.
علاقة الأردن بصندوق النقد والبنك الدوليين تعتبر نموذجا في علاقات المؤسسية بين الدول وتلك المؤسسات العالمية التي تفتح أبوابا للمملكة مع المجتمع الدولي، وتعزز حركة تعاملاته بالاقتصاد العالمي ومكوناته المختلفة.

إشادة المؤسسات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد بالاقتصاد الأردني لا تفهم أن الأردن أنجز عملية الإصلاح، لا بل العكس، المسيرة طويلة في الإصلاح الاقتصادي والتحديات مزمنة ولا يمكن التغلب عليها أو تجاوزها ببرامج الصندوق فقط، بل الأمر يتطلب إدارة داخلية حقيقية بالسير نحو تعزيز شمول الإصلاح المالي في الدولة، خاصة في مجال أولويات إعادة تبويب سياسات ضبط الإنفاق التي للأسف تجاوزتها الحكومات تحت مسميات وذرائع مختلفة، خاصة في مسألة التعيينات وصرف أموال لا ضرورة لها في عدد من بنود الإنفاق.

الإصلاح الحقيقي يجب ان يكون عقيدة يؤمن بها من في الداخل من حكومة ونواب وإعلام وأحزاب، وان لا يقتصر الأمر على برنامج إصلاحي معمول به مع صندوق النقد الدولي، فالأساس ان يتم الإصلاح بدوافع ذاتية داخل المجتمع، وان لا يستند على معطيات خارجية التي هي في مرحلة من المراحل مهمة للغاية، لكن الركون عليها فيه مجازفة ومخاطرة كبيرة يجب ان يتم التقليل منها بمزيد من الانتهاج على سياسات الاعتماد على الذات.

الأردن دولة حافظت على استقرارها الأمني والاجتماعي والاقتصادي في وسط إقليم ملتهب ومتغير بأقل الموارد والإمكانات المتاحة، ولا نبالغ ان وصفنا بان المملكة تلعب دورا أكبر من مواردها وإمكاناتها نتيحة الدور والمكانة الاستراتيجيّة للقيادة والتي جعلت الأردن محط أنظار المجتمع الدولي، ويحظى على الدوام بالدعم الدولي الذي يجب ان لا يكون سببا للحكومات في الارتهان عليه، فالأساس هو مواصلة الإصلاح الاقتصادي من الداخل.

المقال السابق للكاتب 

اقتصادنا بين الواقع والنظرية

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock