صحافة عبرية

اجتماع “مركزي م.ت.ف”: طريق مسدود إلى جانب فرصة ممكنة

iNss

كوبي ميخائيل  7/2/2018

في 14 كانون الثاني اجتمع المجلس المركزي لـ م.ت.ف في رام الله وكانت ذروته في خطاب الرئيس، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. وفي الغداة اتخذ المجلس عدة قرارات، يمكن ترجمتها كتوصيات للجنة التنفيذية لـ م.ت.ف – الهيئة التنفيذية للمنظمة. وكانت معظم قرارات المجلس بروح توصيات عباس لاعضاء المجلس في خطابه وتشبه القرارات التي سبق أن اتخذت في الماضي.
حماس لم تبشر بتغيير حقيقي في سياسة عباس، الذي يرفض استخدام الإرهاب كاستراتيجية عمل (لضررها بالمصالح الفلسطينية) ويتبنى الكفاح الشعبي ونزع الشرعية عن دولة إسرائيل. ورغم اللغة الحادة التي اتخذها، إعلانه بشأن “موت” مسيرة اوسلو والادعاء بان السلطة الفلسطينية دفعت إلى وضع ليس لها فيه صلاحيات سلطوية عملية (حتى وان لم يستخدم تعبير “تحت الاحتلال”)، عباس ترك فتحة للمفاوضات وامتنع عن تبني اقتراحات اعضاء مجلس بارزين دعوا إلى هجر فكرة الدولتين في صالح دولة واحدة مع مساواة حقوق كاملة لكل مواطنيها.
ومع ذلك، شدد عباس على تفضيله الواضح لرعاية الأسرة الدولية، في صيغة مجموعة الدول التي قادت المفاوضات إلى الاتفاق النووي مع إيران وتصدرها المسيرة السياسية، كبديل عن الولايات المتحدة، التي كفت في نظره عن ان تكون وسيطا نزيها. بل وخرج عباس بحدة ضد الادارة الأميركية في ظل توجيه الاهانات، ضمن آخرين بحق السفير ديفيد فريدمان والسفيرة نيكي هيلي. كما أعلن أن في نيته مواصلة مساعي السلطة للانضمام إلى سلسلة من المنظمات الدولية والعمل على الاعتراف بدولة فلسطينية في مجلس الامن.
برزت في خطاب عباس الرواية الفلسطينية التي تصف المشروع الصهيوني ودولة إسرائيل كمشروع استعماري، ثمة مؤامرة القوى العظمى الغربية، والذي هو غير شرعي وليس فيه ما يؤكد الادعاء بشأن العلاقة القومية التاريخية للشعب اليهودي بأرض إسرائيل. اما نية الإدارة الأميركية اطلاق مبادرة لاستئناف المسيرة السياسية والتسوية، التي بفهم الفلسطينيين تدحر إلى هوامش البحث موضوع القدس ومسألة اللاجئين، فقد وصفها كاستمرار لذات المؤامرة ولهذا فقد رفضها رفضا باتا. على خلفية خيبة أمل عباس من الادارة الأميركية، وكذا عقب الشكوك بشأن فرص نجاح مسيرة المصالحة بين فتح وحماس، ركز خطابه على استعراض تاريخي انتقائي على نحو ظاهر وعرض تراث انجازاته كرئيس السلطة الفلسطينية ورئيس م.ت.ف .
تعبر قرارات المجلس المركزي في اعقاب خطاب عباس عن نهج كدي بارز، استياء وغضب. ولكن مشكوك أن تتبنى اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف القرارات وتطبقها نصا وروحا مثلما حصل في الماضي. لعباس كرئيس للجنة التنفيذية الصلاحيات في العمل على تطبيق القرارات وفقا للظروف ومعقول ان هذه المرة أيضا لن يسارع إلى تطبيقها بسبب الخطر الذي في تطبيقها على مستقبل ومجرد بقاء السلطة الفلسطينية، التي يعد استمرار وجودها مصلحة واضحة لعباس وكبار مسؤولي م.ت.ف الذين يعتبرون من مؤيديه.
ان الاحباط والغضب تجاه الإدارة الأميركية واعتبارها متحيزة بل ومعادية يتعاظمان في ضوء امكانية ان يقر الكونغرس قانونا لتقليص ميزانية المساعدات للسلطة الفلسطينية بسبب الدفعات للسجناء الامنيين وابناء عائلاتهم. في هذا الوقت، وليأس القيادة الفلسطينية من الولايات المتحدة ومن الدول العربية المهمة، فإن أملها الوحيد هو تجنيد الأسرة الدولية، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، بهدف تقليص الاضرار المالية ولتحقيق الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة في حدود 1967 وعاصمتها شرقي القدس.
اما التغيير في الموقف الأميركي بالنسبة للمساعدات المالية فقد وجد تعبيره في قرار الادارة الأميركية تقليص نحو 65 مليون دولار من المبلغ الذي كان يفترض أن يحول إلى وكالة الغوث في الربع القريب القادم. ومعقول أن يؤثر التقليص، في المرحلة الأولى، على نشاط الوكالة خارج مناطق السلطة الفلسطينية اكثر من غيرها ولكن من شأنه لاحقا أن يمس بنشاط المنظمة في مناطق السلطة أيضا، إلا إذا سد الاتحاد الأوروبي وغيره الفجوة الناشئة.
ظل ثقيل على اجواء الاجتماع القاه غياب مندوبي حماس والجهاد الاسلامي الذين دعوا اليه ولكنهم اختاروا الا يأتوا وهاجموا عباس وقيادة السلطة بحدة على ابقائهم العلاقات مع إسرائيل، مع التشديد على التعاون الأمني. والاحساس المتبلور هو الطريق المسدود في العلاقات بين فتح والسلطة الفلسطينية وبين منظمات المعارضة الفلسطينية، إلى جانب تدهور متواصل لواقع الحياة الصعب في قطاع غزة وتثبت الفرقة بين القطاع والضفة الغربية.
إن هذه الظروف الفلسطينية الداخلية، إلى جانب اختيار القيادة الفلسطينية الانقطاع عن الإدارة الأميركية وتعظيم النهج الكدي، تستدعي من إسرائيل تمييزا استراتيجيا واضحا بين قطاع غزة، حيث يتثبت ويعمل كيان شبه دولة معاد، وبين الضفة الغربية. هذا الكيان شبه الدولة الحماسي في غزة يمكنه أن يكون معاديا وفاعلا، مردوعا من استخدام قوته العسكرية ضد إسرائيل، ولكنه معاد، فاشل وعنيف تجاه إسرائيل. اما المصلحة الإسرائيلية فهي ضمان الامكانية الأولى وذلك لان المواجهة العنيفة من شأنها أن تجر إسرائيل إلى اعادة احتلال القطاع لغرض اسقاط حكم حماس، دون بديل معقول في الافق المنظور باستثناء الحكم العسكري الإسرائيلي بكل معانيه وكلفته المرافقة. اما امكانية المساعدة على عودة السلطة الفلسطينية للسيطرة الكاملة في قطاع غزة وتحقيق اعمار القطاع من خلال السلطة وليس من خلال حماس، فلم تكن واقعية حتى في افضل ايام مسيرة المصالحة بل هي اقل واقعية بعد انعقاد المجلس المركزي في منتصف كانون الثاني 2018.
لضمان الامكانية المفضلة بالنسبة لإسرائيل في قطاع غزة، يجب الاعتراف بحقيقة وجود القطاع ككيان شبه دولة وبحماس كصاحبة السيادة، يمكن حيالها التعامل في اطار تفاهم وتعاون – ليس باتفاقات موقعة أو تسوية دائمة (غير قابلة للتحقق)، إلى جانب ابقاء الردع العسكري. اما غاية التعاون، الذي يفترض أن يجد تعبيره ضمن امور اخرى في بناء بنية تحتية واصدار تصاريح عمل في إسرائيل بشكل منضبط، فستكون تحسين الواقع الانساني في المنطقة واعمارها لغرض تثبيت الردع العسكري وتقليص خطر اشتعال العنف. في هذا الاطار ينبغي العمل أيضا على تغيير تفويض وكالة الغوث وحصره في المساعدات الانسانية الضرورية في مشاريع محددة ومراقبة، حتى بثمن مساعدة مالية أكبر، ونقل باقي الصلاحيات إلى حكومة حماس في قطاع غزة دون دعم مالي.
لقد وقعت امام إسرائيل فرصة استراتيجية تاريخية مشكوك ان تتكرر: ادارة أميركية عاطفة، مستعدة لان تغير قواعد اللعب وتحرر نفسها من المسلمات التي انسجمت مع مطالب القيادة الفلسطينية والتي طرحت كشرط لاستئناف المسيرة السياسية.
مع ذلك، فان الطريق المسدود الذي علقت فيه الساحة الفلسطينية لا يحسن لمصالح إسرائيل الاستراتيجية على مدى الزمن. يمكن لإسرائيل أن تستنفد الضعف الفلسطيني في المدى الزمني القصير، ان تواصل وتقرر حقائق على الارض وتستمتع باحساس الانجاز أو التفوق، ولكن في نظرة إلى المدى المتوسط والبعيد من شأن إسرائيل أن تجد نفسها خاسرة بسبب العبء الذي سيلقى عليها في قطاع غزة والحاجة إلى اعادة تنظيم آليات السيطرة في الضفة الغربية في حالة انهيار السلطة الفلسطينية او اخفاقات عميقة في ادائها. اضافة إلى ذلك من شأن إسرائيل أن تعمق الفجوة بينها وبين الدول الاوروبية وتعلق في مواجهات زائدة مع الادارة الأميركية التي ستسعى إلى لجمها حتى وان كان بشكل مؤدب ورفاقي أكثر مقارنة بإدارة اوباما.
ان القيادة الإسرائيلية مطالبة بالتالي بترجمة الاستعداد المعلن للتقدم في حل الدولتين القوميتين في صيغة محدودة أكثر، تحفظ مصالحها الحيوية إلى جانب حفظ امكانية تنفيذ هذه الفكرة حينما تسمح الظروف بذلك. وعلى الخطوة أن تستند إلى تفاهمات مع الادارة الأميركية. كل هذا بهدف وضع الفلسطينيين امام خيار قبول تسوية انتقالية بعيدة المدى ومحدودة، في صيغة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة بغياب كل امكانية للتسوية الدائمة في الظروف السياسية القائمة، أو رفضها – مع كل ما يعنيه ذلك بما فيه الاعتراف الدولي بالرفض الفلسطيني.

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock