;
آخر الأخبارالغد الاردني

اجندة لتطوير القطاع العام وإصلاح الإدارة الحكومية 3-1

محي الدين توق*

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن ضرورة إصلاح القطاع العام وتطوير الإدارة الحكومية، وسأحاول في هذه الورقة والورقتين اللاحقتين تقديم تصور عن الأجندة المطلوبة للتطوير.


وقبل الحديث عن هذه الأجندة تقتضي الأمانة العلمية التطرق للخلفية التاريخية لنشؤ الإدارة الأردنية وتطورها عبر السنين بما في ذلك برامج ومشاريع تحديثها والأسباب الكامنة وراء تراجعها. وهذا ما ستتناوله هذه الورقة وسأحاول في الورقتين التاليتين الحديث تفصيلا عن أجندة مقترحة للتطوير.


أصبح من المسلمات الأساسية أن برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية لن تحقق مبتغاها الا بوجود إدارة حكومية قوية وقادرة وفعالة.

فأفضل خطط التطوير يمكن أن تفشل فيما إذا وضع أمر تنفيذها بأيدي مديرين وموظفين غير قادرين ومؤهلين ولا يمتلكون المهارات التنفيذية اللازمة، أو لا يعتقدون بجدوى وفائدة هذه الخطط، أو انهم لا يشعرون بملكيتها. لقد أصبح من المؤكد ان قوة الدولة ومنعتها لا تتحقق الا بوجود بيروقراطية حكومية قوية وقادرة وفاعلة وملتزمة، وقيادة حكيمة وملهمة وقادرة على إدارة الافراد والتغيير بكفاءة وفاعلية وتوجيه قدراتهم لتحقيق الأهداف المؤسسية ومواجهة تحديات المستقبل.


اهتمت الدولة الأردنية منذ بداية تأسيسها بإيجاد إدارة حكومية وبيروقراطية إدارية كفؤة وقادرة على بناء أجهزة الدولة وادارتها بشكل فاعل سواء في القطاع المدني أو العسكري أو في القضاء حيث تم وضع قانون موظفي الحكومة رقم (8) لسنة 1939 لتنظيم شؤون الوظيفة العامة. وقد تأثر ذلك القانون بطبيعة الحال بالتنظيمات العثمانية التي كانت سائدة في البلاد قبل تأسيس الدولة. وفي سنة 1941 أقر مجلس الوزراء نظاما جديدا للموظفين تحت رقم (1) لسنة 1941 للتخلص من الإرث العثماني بشكل نهائي والذي ما لبث تعديله سنة 1949 ليتناسب مع مرحلة الاستقلال.


وقد كان هذا القانون تقدميا في نظرته لتنمية الموارد البشرية، حيث مهد لاختيار أفضل الكفاءات للعمل في الجهاز الحكومي، خاصة في الوظائف العليا.


وبعد توحيد الضفتين الشرقية والغربية في دولة واحدة وصدور الدستور الأردني لعام 1952 والتغير الذي طرأ على حجم الجهاز الإداري وتنوع مهامه، ظهرت الحاجة لإيجاد جهاز مركزي يعنى بتنظيم شؤون الوظيفة العامة يقوم على أسس قانونية ومؤسسية واضحة، وبالتالي صدر القانون رقم (11) لسنة 1955 تحت مسمى قانون ديوان الموظفين المدنيين والذي بموجبه تم انشاء ديوان الموظفين.
وقد أسهم هذا القانون في بناء مؤسسات الدولة على أسس قوية وراسخة وتعزيز تميز الإدارة الحكومية لسنوات طويلة وانتقل هذا الأثر لعديد الدول العربية في تلك الحقبة من تاريخ الأردن.


كما لم تتوقف جهود تطوير الإدارة الأردنية عبر السنين وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون فإن جهود تحديث الإدارة الحكومية والدعوة لتطوير القطاع العام ليست حديثة العهد، بل تعود لسبعينيات القرن الماضي.


فقد تم في عام 1971 تشكيل لجنة لإعادة تنظيم الجهاز الحكومي، وفي عام 1972 تم تشكيل لجنتين، إحداهما لتحديث الإدارة الحكومية، والثانية للتطوير الإداري. وفي عام 1974 تم عقد ندوة بمشاركة واسعة حول تنمية القوى البشرية. وفي منتصف عقد الثمانينيات وجه جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال الحكومة لتشكيل لجنة ملكية للتطوير الإداري لمعالجة مشكلات الإدارة الحكومية من خلال تطوير التشريعات، ووضع أسس اختيار الموظفين وتدريب القوى البشرية، وتطوير أسس الرقابة الإدارية، وإدخال المكننة، وتحديث أساليب العمل.


أفضت جهود اللجنة الملكية للتطوير الإداري إلى إصدار نظام الخدمة المدنية رقم (1) لسنة 1988 والذي تم بموجبه انشاء مجلس الخدمة المدنية، وبدء برامج التطوير على مستوى الدائرة، وإنشاء وحدات التطوير الإداري، والربط بين المسار الوظيفي والمسار التدريبي، وتشكيل لجنة التطوير التنظيمي والإداري.


وفي هذه الحقبة دعى سمو الأمير الحسن بن طلال ولي العهد آنذاك لأنشاء هيئة لمراجعة التشريعات وتطويرها وفق نسق تكاملي. وكنتيجة لهذه الجهود تم في عام 1992 إنشاء ديوان الرقابة والتفتيش الإداري، ومركز المعلومات الوطني، ووضع نظام ديوان التشريع والرأي.


وفي عام 1994 ضمت الحكومة الأردنية وزير دولة للتطوير الإداري لأول مرة في تاريخ المملكة، وفي العام الذي يليه تم انشاء وزارة التنمية الإدارية، وتشرفت بان أكون أول وزير لها.


وتم في عهد هذه الوزارة وضع وإقرار أول خطة شاملة للتطوير الإداري في المملكة، وقد غطت الخطة عدة محاور، كتبسيط الإجراءات، وتفويض الصلاحيات، وتنمية الموارد البشرية، ونظم المعلومات الإدارية، ووصف وتصنيف الوظائف، وأسس ومعايير اختيار القيادات الإدارية، وتنظيم الجهاز الحكومي، وتقييم الأداء الفردي والمؤسسي.


كما تم في عهد هذه الحكومة الموافقة على إنشاء الأكاديمية الملكية للقيادة على غرار مدرسة الإدارة العليا الفرنسية المشهورة ومعهد القيادات الإدارية في سنغافورة، وللأسف الشديد لم تر هذه الأكاديمية النور بعد تغير الحكومة ومجيء حكومة جديدة على الرغم من توفر التمويل الدولي لها، كما لم تحظ الخطة بالاهتمام الواجب، الأمر الذي يؤشر للشخصنة وضعف المؤسسية في الإدارة الأردنية.


كما عقدت في عهد هذه الوزارة ندوتان، إحداها وطنية والثانية دولية اسهمتا في بلورة فكر دولي جديد حول كيفية مكافحة الفساد، ونتيجة لإحدى التوصيات تم انشاء مديرية مكافحة الفساد في دائرة المخابرات العامة سنة 1996 التي تحولت فيما بعد إلى هيئة مكافحة الفساد سنة 2006 كأحد استحقاقات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي رأس الأردن التفاوض بشأنها.


استمر الاهتمام بالتطوير الإداري بشكل ملحوظ بعد تولي جلالة الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية، كما تعددت البرامج والمشاريع والخطط. ففي سنة 2000 وضع المجلس الاقتصادي الاستشاري لجلالة الملك، الذي تشرفت بعضويته، خطة للتطوير الإداري، وفي عام 2002 تم إنشاء جائزة الملك عبد الله الثاني لتميز الأداء الحكومي والشفافية لتحفيز الدوائر والمؤسسات الحكومية على تطوير اعمالها وتحسين خدماتها، وفي عام 2003 وضعت خطة أخرى للتطوير الإداري بمساعدة أحد أكبر الشركات العالمية المتخصصة، وفي عام 2004 اقر مجلس الوزراء برنامج إصلاح القطاع العام بالاستناد على خطة عام 2003.


وفي عام 2006 تم إقرار الأجندة الوطنية التي اشتملت على تصور شامل للإصلاح، بما في ذلك الإصلاح الإداري.

وبنفس العام تم تعديل مسمى “وزارة التنمية الإدارية” لتصبح “وزارة تطوير القطاع العام” التي ما لبث ان الغيت فيما بعد، ودخل الحكومة وزير دولة تحت مسمى وزير تقييم الأداء المؤسسي، ثم اعيدت الوزارة مرة أخرى بنفس المسمى القديم إلا انه لم يمض وقت طويل حتى الغيت الوزارة مرة أخرى في عام 2018، وفي عام 2009 تم انشاء وحدة متابعة الأداء الحكومي في رئاسة الوزراء.


نشطت وزارة تطوير القطاع العام في العقد الثاني من هذا القرن بشكل ملحوظ حيث تم في عام 2011 وضع وثيقة شاملة حول سياسات تطوير القطاع العام بالاستناد للخطط السابقة كما تم وضع استراتيجية للتطوير للأعوام 2011-2013 تبعتها الخطة التنفيذية للاعوهم 2014-2016 وأخرى للأعوام 2016-2019.

ومن الجدير بالذكر ان الخطة التنفيذية الثانية كانت خطة شاملة غطت عدة محاور رئيسية كتطوير الخدمات الحكومية، وهيكلة الجهاز الحكومي، ودعم السياسات وصنع القرار، وتكريس ثقافة التميز، وتعزيز ممارسات الحوكمة والشفافية، وإدارة التغيير والاتصال، وتحسين الإدارة المالية.


وما من شك ان خطة شاملة من هذا النوع تحتاج الى جهاز مركزي قوي ومتابعة حثيثة على مدار عدد من السنوات، وبدلا من تمكين وزارة تطوير القطاع العام للقيام بهذه المهمة تم الغاؤها لأسباب غير مفهومة ودون تقديم البديل المقنع.


على الرغم من هذا الكم الهائل من البرامج والإستراتيجيات والخطط التنفيذية يبدو ان ما تحقق على أرض الواقع غير مرض ولا يتناسب مع حجم التوقعات والتحديات بدليل المطالبات المستمرة لإصلاح القطاع العام وتحديث الإدارة الحكومية.


وكما يتضح من الخلفية التاريخية المذكورة أعلاه، لا يوجد فقر في الأفكار والإستراتيجيات والخطط والمبادرات الإصلاحية، بل ضعف في التنفيذ والالتزام والاستدامة.


لقد جربت الدولة في ربع القرن الماضي منذ انشاء وزارة التنمية الإدارية سنة 1995 مناهج متعددة للتطوير كإنشاء المؤسسات، وتطوير التشريعات، ووضع الإستراتيجيات والخطط الشاملة والقطاعية، كما تمت محاكاة أفضل الممارسات العالمية، وتمت الاستعانة ببيوت الخبرة الدولية. وبالتالي يصبح السؤال لماذا أخفقنا سؤالا مهما يجب الإجابة علية بكل وضوح وصراحة حتى نتمكن من إصلاح الإدارة الحكومية وإعادة الألق للإدارة الأردنية واتقدم إلى الأمام.


لقد شخصت بعض التقارير الموثوقة، كتقارير حالة البلاد التي يصدرها المجلس الاقتصادي الاجتماعي وغيرها، مظاهر الضعف في الإدارة الأردنية ووضحت أسبابها.


وبرأيي ان أهم الأسباب تكمن في غياب الرؤية الشاملة والمتكاملة لإصلاح القطاع العام، وضعف الالتزام المؤسسي، وتركيز خطط الإصلاح على الابعاد التقنية الإجرائية دون الأبعاد الإستراتيجية الكلية، وغياب البنية المؤسسية القوية لإدارة التنفيذ، وضعف شعور الموظفين بملكيتهم للخطط الإصلاحية التي غالبا ما كانت تسقط عليهم من اعلى بدل اشراكهم في وضعها، وكثرة وسرعة تغيير الحكومات التي تلجأ بدورها الى تغيير الإستراتيجيات مما يولد الانطباع بأن برامج الإصلاح هي برامج حكومية وليست برامج دولة.


ولا أنسى في هذا المعرض ما قاله لي أحد سفراء الدول المانحة للأردن عندما خرجت من الحكومة في التشكيل الجديد سنة 1996 مباشرة بعد إقرار خطة التطوير الإداري “هل أنتم جادون فعلا في التطوير؟” في إشارة واضحة لسرعة تغيير الوزراء دون أسباب مقنعة وللأسف الشديد مازالت هذه موجودة حتى الآن.


لقد فوتت الدولة الفرص التي كانت سانحة في نهايات القرن الماضي عندما كان الإصلاح أكثر سهولة واقل كلفة، ماليا واجتماعيا.
كما لم يتم استثمار اللحظة التي كان الجميع فيها مستعدا وراغبا ومتشوقا للتطوير والتغيير، وبنفس المقدار لم يتم استثمار المبادرات الملكية والدعم السياسي من جلالة الملك بالشكل الكافي، سواء ما تعلق منها في خطب العرش، أو إنشاء جائزة التمييز في الأداء الحكومي، او ما جاء في الورقة النقاشية السابعة. كما لم يتم استغلال الدعم الدولي المالي والفني المتاح دوليا بشكل كبير لبرامج التطوير والتحديث بالشكل المطلوب.


كما أدى استئثار السلطة التنفيذية بملكية خطط الإصلاح الإداري، وتغييب السلطة التشريعية عن مناقشتها وإقرارها الى ترسيخ النظر الى برامج الإصلاح كبرامج حكومية فوقية لا كبرامج دولة تشاركية، وبالتالي بروز درجة عالية من التسييس والشخصنة في العمل العام على حساب الاستدامة والمؤسسية، مما ضاعف من هشاشة السلطة المنوط بها الإصلاح والتطوير، وظهور خلل في النظرة الموحدة للعمل التكاملي بين الاجهزة الحكومية المتعددة، ويفاقم ضعف الثقة بالحكومات وجديتها وقدرتها على إجراء التطوير المطلوب.

  • اول وزير لوزارة التنمية الإدارية

إقرأ المزيد :

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock