أفكار ومواقف

احتضار الصحف الورقية

إذا كان هناك قطاعات تؤدي رسالة في أوقات معينة، فإن الصحافة الورقية، كمهنة الطب والتمريض، كانت وما تزال، تؤدي رسالة مهمة سياسية واقتصادية واجتماعية وإنسانية ومعرفية وثقافية على مدار الساعة وفي كل أيام العام، كان الرابح الدائم منها هي الحكومات المتعاقبة.
يعيش الزملاء في الصحف الورقية، في الوقت الراهن، أياما عصيبة، يبدو أن أحلاها مر، إلا إذا كان للحكومة رأي آخر، وكذلك موقف جريء وقوي للصحفيين.
الظاهر، أن الحكومة بدأت برفع يدها عن الصحف الورقية، التي لطالما دافعت عن سياساتها وقراراتها وإجراءاتها، بطريقة أو أخرى.. حتى وإن كان هناك معارضة أو نقد لقرار ما أو إجراء معين، فقد كان لهدف نبيل يتمثل بالخشية من أن يؤدي ذلك القرار أو الإجراء، لسلبيات تضر بالوطن والمواطن.
الحكومة، بعدم مبالاتها تجاه الصحف الورقية، تدفع بمئات الصحفيين إلى قارعة الطريق، وبالتالي زيادة نسبة البطالة وازدياد عدد الفقراء.. فغير مدرك ولا واع من يظن بأن الصحافة الورقية مقتصرة فقط على الصحفيين، فهناك عمال مطابع وإداريون وفنيون وموزعون وعمال صيانة يعملون بالصحف الورقية، ناهيك عما تحتاجه الصحافة الورقية من حبر وأوراق، أي بمعنى آخر هناك حلقة إنتاج متكاملة، تعود بالنفع على الكثير من الأشخاص وعائلاتهم.
ما يدفعنا للقول بأن هناك عدم مبالاة من قبل الحكومة تجاه الصحف الورقية وعامليها، هو ما يرشح من الغرف المغلقة وبين أروقة أجهزة الدولة الرسمية، من أن هناك تفكيرا حكوميا جديا بإنشاء صحيفة إلكترونية، يتم من خلالها نشر الإعلانات القضائية، وتلك الحكومية التي تتضمن عطاءات ومناقصات أو حتى تعيينات.. ما يعني أن الصحف الورقية التي ما تزال تلهث وراء الصمود وعدم الاندثار، سيتم حرمانها من تلك الميزة، الأموال التي تتحصل عليها جراء تلك الإعلانات، والتي تساهم حاليًا ببقاء الصحف الورقية على قيد الحياة.
كما أن قرار الحكومة الأخير بالسماح للصحف الورقية بالإصدار خمسة أيام في الأسبوع الواحد، ينفي عنها صفة «صحف يومية»، مع ما يترتب على ذلك من حرمانها بالتأكيد من الإعلانات الحكومية، فالقانون واضح في هذه النقطة، إذ يشترط أن تكون الإعلانات في صحيفة يومية، بمعنى أنها تصدر يوميًا، على مدار العام.
مجالس إدارات الصحف والتحرير، وكذلك العاملون بالصحف، ارتكبوا خطأ جراء الموافقة على ذلك، أو أنهم لم يعوا سلبيات ذلك القرار، حيث كان الأصل أن يرفضوه جملة وتفصيلًا.
ولكي أكون منصفًا، يجب أن لا يتم وضع اللوم كله على الحكومات المتعاقبة، وخصوصًا الحالية، فالصحف «أسرفت» في التعيينات واستدخال الجهلاء، فضلًا عن أن بعض الصحفيين كانوا يلتزمون «الصمت» حيال ما يتعرض له زملاء لهم من ظلم، سواء بالتعيين أو قيمة الرواتب.
لا أحد يتقبل فكرة أن تتدخل الحكومة، أي حكومة كانت، بسياسة تحرير أي صحيفة، لكن لا يوجد ما يمنع في الوقت نفسه من أن يكون هناك مبلغ مالي مخصص لدعم الصحافة الورقية، حتى لو كان على سبيل المثال تغطية نسبة من رواتب العاملين في هذه الصحف.
من المسلمات في هذا البلد، أن أغلبية الأردنيين، ومن ضمنهم بالتأكيد العاملون بالصحف، عليهم التزامات شهرية، إما إيجار بيت، أو قسط بنكي لشقة أو مركبة، أو قرض لتعليم أبناء، أو حتى لمعالجة أحد أفراد أسرته.
حتمًا، إن مصير مثل هؤلاء سيكون إما السجن أو الطرد من البيت الذي يسكنه، سواء أكان مستأجرًا أو شبه مالك لشقة من خلال قرض بنكي بفوائد مرتفعة.. فهل تعي الحكومة سلبيات عدم مبالاتها جراء «ترك» الصحف الورقية «تنتهي» أو حتى «تندثر».
ويبقى السؤال من المستفيد من ذلك؟ فكل صحيفة يعمل فيها نحو 350 شخصا ما بين صحفي وإداري وفني وعمال توزيع وصيانة، الأمر الذي يعني أن هناك أكثر من خمسة آلاف شخص سيتم «رميهم» على قارعة الطريق، على افتراض أن كل شخص مسؤول عن عائلة مكونة من خمسة أشخاص.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock