أفكار ومواقف

احتمالات لبنان ومعادلاته..!

يلخص إيجاز لمركز التنبؤات الاستراتيجية الأميركي (ستراتفور) المسارات المحتملة للانتفاضة اللبنانية الراهنة كما يلي: “استقالة الحريري؛ أو إجراء تعديل وزاري، أو انتخابات جديدة؛ أو إصلاح حكومي أساسي؛ أو إطالة أمد الشلل السياسي مع تفاقم الأزمة الاقتصادية”.
لا توجد حلول سهلة في لبنان بسبب تكلس المنظومة الطائفية التي حكمت البلد منذ عقود وأنهكت مواطنيه. وقد رفع اللبنانيون، الذين ضاقوا بنتاجات الطائفية، شعاراً يختصر مطالبهم: “كِلُّن يعني كِلُّن” –أي مغادرة كل الوجوه المألوفة التي تحتكر الفروع الثلاثة للمؤسسة السياسية: رئاسة الدولة، ومجلس الوزراء، ومجلس النواب.
حاولت الحكومة احتواء الاحتجاجات بعرض طائفة من الإجراءات الاقتصادية. ومع أن البعض يرى هذه الإجراءات معقولة، فإن آخرين يقولون –مُحقّين- إنه إذا كان بإمكان الحكومة اجتراح حلول اقتصادية في ثلاثة أيام، فذلك يعني أن الساسة لم يكونوا جادّين خلال عملهم السابق كله. وهو ما يضيف سبباً إلى ضرورة استقالتهم. ويقول المحتجون إنهم إذا كانوا سيقبلون بهذه الإصلاحات، فشريطة أن تنفذها حكومة أخرى، من التكنوقراط مثلاً، بإشراف الجيش أو القُضاة.
المشكلة الأساسية أمام الحراك الشعبي اللبناني – مثل بقية التجارب العربية- هي عدم وجود بديل مؤهل وصاحب برنامج بسبب عمل السلطات الراسخة الواعي على عدم ترك مساحات للبدائل. ومع أن النظام في لبنان ديمقراطي من حيث المبدأ، فإن نفس السلطة ظلت تعيد إنتاج نفسها كل الوقت: بتكرار نفس الوجوه من “رؤساء” و”شيوخ” الطوائف الذين يورثون الزعامة لأبنائهم في الغالب. وفي حين يستولى العسكر على السلطة في الأماكن الأخرى، سواء كان ذلك بقصد الاستيلاء عليها أو رعاية انتقال ديمقراطي، فإن لدى طوائف لبنان وأحزابه ميليشيات مسلحة إما أقوى من الجيش، أو قادرة على التسبب له بمشكلات جدّية على الأقل.
يشير تقرير “ستراتفور” إلى صعوبة التعامل مع الفساد في لبنان، “بالنظر إلى أن التحجر المطرد للتوازن السياسي في لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية في العام 1990 قد مهد الطريق للفساد”. وقد سمح الترتيب الطائفي للزعماء الطائفيين “بإثراء أنفسهم في مقابل الحفاظ على السلام”. وفي الحقيقة، يحتفظ كل من الزعماء بحاشية يخصها بالامتيازات، ويشتري ولاءها بالتعيينات. ومع ذلك، يقترح نفس هؤلاء الزعماء الطائفيين أن يشرفوا هم على الإصلاح واستئصال الفساد –أي محاسبة أنفسهم.
يشير التقرير أيضاً إلى تأثير نفوذ الرعاة الخارجيين لمراكز السلطة في البلد. وحسب التقرير، فإنه “بالنسبة للكثير من تلك القوى الخارجية، حل لبنان محل العراق وسورية كأكبر ساحة للتقاتُل على النفوذ”. ولا بد أن يُعقّد نفوذ هؤلاء الرعاة مهمة اللبنانيين العاديين الذين يدفعون ثمن تنافُس المصالح الخارجية.
تشارك الولايات المتحدة نفسها بتأزيم لبنان أيضاً، من خلال عقوباتها على المصارف اللبنانية التي تتهمها بالعمل مع حزب الله، في إطار المحاولة الأميركية للحد من النفوذ الإيراني. وحسب “ستراتفور”، فقد “زادت هذه العقوبات من المخاوف بشأن توفر احتياطيات العملات الأجنبية في المستقبل، وخاصة الدولار”. يضاف إلى هذا عامل الكيان الصهيوني الذي يضع لبنان دائماً في مركز التصويب، ويؤثر بذلك في توازنات القوة في البلد.
من خصوصيات انتفاضة الأشقاء اللبنانيين الحياد النسبي لقوات الأمن والجيش حتى الآن –باستثناء حوادث هامشية. كما يعبر هذا الشعب عن حيويته وحبه للحياة بطريقته الخاصة، وينفِّس عن الاحتقان بالفرح. ويرى الكثير من اللبنانيين أن انتفاضته أنجزت شيئا كبيرا حتى قبل أن تتحقق مطالبها المباشرة، هو إخفاء الأعلام الطائفية والفئوية ورفع العلم الوطني فقط. وقد يكون طريق اللبنانيين طويلاً نحو تفكيك المنظومة الطائفية واستعادة الثقة بين أتباع الطوائف. لكن المؤكد أن التخلص من المحاصصة الطائفية هو المفتاح لأي تقدم حقيقي في لبنان.
يحاول اللبنانيون تطبيق العصيان المدني، وحيث الطائفية عنوان وجع لبنان، هناك القبَلية، وحكم القلة، والأنظمة الريعية والعسكر في البلدان العربية الأخرى. دائماً يجد المنتفضون غير المنظمين السلطات التي رفضوها وهي تعيد إنتاج نفسها بسبب غياب البديل. وإذا عُرض إصلاح، ففي شكل مناقلات وتبديل مراكز بين شخصيات النخب نفسها، أو أبنائها، أو تطعيم المشهد بنُسخ جديدة مصنّعة سلفاً من نفس النوع.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock