آخر الأخبار حياتناحياتنا

“احكوا مع أولادكم بالعربي”.. التميز هل يكون بإتقان الإنجليزية فقط؟

رشا كناكرية

عمان- “ابني طفل مميز”.. هكذا أجابت إسراء (35 عاما) صديقتها سارة عندما سألتها: لماذا طفلك يتحدث باللغة الإنجليزية فقط؟
سارة كانت في زيارة لصديقتها التي غابت عنها لسنوات بسبب ظروف الحياة، وعند لقائها طفلها أحمد (7 سنوات) حاولت أن تتواصل وتتحدث معه، وفوجئت بأنه يرد على أسئلتها فقط بالإنجليزية بل ولا يفهم بعض الأسئلة الأخرى. هنا كان رد والدته بأنه نشأ وتعلم وتربى على اللغة الإنجليزية منذ الصغر ونحن لا نتحدث معه إلا بها، لتزيد “يا صديقتي هذه لغة العصر!”..
شعرت سارة بالاستغراب من رد صديقتها، وأن تحدث ابنها بالعربية آخر اهتماماتها، لتترك هذه الزيارة لديها الكثير من التساؤلات، عن سبب رغبة وتوجه الأهالي للتحدث مع أطفالهم فقط باللغات الأجنبية، فهل هذا هروب وانسحاب من “لغتنا العربية”؟.
إسراء ربما واحدة من أمهات كثيرات، لا يفضلن إلا أن يتعلم صغارهن الإنجليزية والتحدث بها أمام العائلة وفي كل مكان، بل أصبحت بعض العائلات تبحث عن مربيات يتقن اللغة الإنجليزية، لكي لا يتعلم الصغير لغة غيرها.
وانتشرت عبارة عبر مواقع التواصل الاجتماعي “احكوا مع أولادكم بالعربي”، لتجد صدى كبيرا من المتابعين، الذين عبروا عن “استغرابهم واستيائهم” من أهال لا يتحدثون مع الأبناء إلا بالإنجليزية، ليفقد الأطفال بعد ذلك القدرة على التحدث باللغة العربية أو فهم عبارات تقال، أو حتى إتقان الكتابة بها.
اختصاصي علم الاجتماع د.حسين الخزاعي يبين أن تعلم اللغة الإنجليزية منذ الصغر هو دور مساند من الأهل للنطق بها وسماعها واستخدامها من ثم إتقانها، لكن هذا ينبغي ألا يكون على حساب اللغة الأم؛ العربية الفصيحة.
ووفق الخزاعي، تتعدد الأسباب لانتهاج هذه الطريقة بالتربية، فبعض الأسر نشأت على ذلك، وتحاول نقل ما تعلمته للأبناء، والبعض الآخر يعتقد أن التحدث فقط بالإنجليزية نوع من “البرستيج” للفت النظر إليهم، ووضعهم بخانة “المتميزين” عن الآخرين، في حين أن هنالك أسرا تحرص على أن يتقن الأبناء الإنجليزية لغايات التفوق والسفر للخارج والدراسة والعمل، باعتبارها لغة مطلوبة بالعالم أجمع، لكن ذلك لا يكون أبدا على حساب العربية، اللغة الأساسية.
ويشير الخزاعي إلى أن الخطر هو بـ”تهميش” مقصود اللغة العربية وقيمتها ومكانتها.
عضو في مجمع اللغة العربية الأردني وأستاذ بروفيسور في اللسانيات الدكتور سمير استيتية يذهب في حديثه لـ”الغد ” إلى أن اكتساب اللغة هو ممارسة في المجتمع، ففي المجتمعات الغربية لا يتحدثون إلا بلغتهم، منوها بأن المجتمعات العربية لا تتحدث اللغة العربية الفصيحة، والأطفال كذلك، فالتلقين بالمدرسة لا يكسب اللغة، بل هي ممارسة في المجتمع والأسرة والمدرسة.
ما يحدث هنا، بحسب إستيتية، “أننا نتكلم مع أطفالنا باللغة العامية ولهجاتنا المحكية.. فالطفل لا يستطيع أن يكتسب اللغة العربية الفصيحة بالتلقين المدرسي”، وهنالك قاعدة في علم اللسانيات تقول “اللغة ممارسة”، وحيث تواجدت الممارسة باللغة تواجد معها الإتقان.
كما أن بعض المدارس لا تعلم اللغة العربية الفصيحة بالممارسة، متأسفا على بعض من يدرسون النحو في الجامعات العربية بالعامية واللغة المحكية.
ويضيف استيتية أن كل أستاذ يدرّس في المدرسة هو استاذ للغة العربية، باستثناء أستاذ الإنجليزية، “بالمقابل كل الذين يدرّسون عليهم أن يمارسوا اللغة العربية الفصيحة فذلك ليس مطلوبا من مدرس اللغة العربية فقط”.
ويعتقد استيتية أن “المجتمع العربي” يعاني من “الأمية اللغوية”، و”نحن نقلد من يتكلم باللغة العامية”، مؤكدا على أن ممارسة اللغة العربية الفصيحة ليست مسألة صعبة، ومعقدة و”نحن قادرون على إتقانها وممارستها إذا أردنا ذلك”.
ويوضح استيتية أن الأهل عندما يطلبون من أبنائهم أن يتحدثوا فقط باللغة الإنجليزية وفرضها عليهم، “هم بذلك يفقدونهم الهوية الثقافية العربية والتاريخية”، مبينا أن كورونا والتعلم الإلكتروني أضعفت من مهارات اللغة، القراءة والكتابة والمحادثة والاستماع، إذ كانت ممارستها أكبر بالتعليم الوجاهي. ووفق استيتية، فإن مجمع اللغة العربية الأردني طالب الجهات الرسمية بأن يكون هنالك امتحان “توفل للغة العربية” واستجابت لذلك، وأصبح يطبق الآن للذين يتقدمون لوظائف بالدولة أو في إحدى المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية، كذلك امتحان للكفاية اللغوية للدراسات العليا وفي كل التخصصات وهذه خطوة نحو الأمام.
اختصاصي علم النفس الدكتور موسى مطارنة يستغرب ممن يعتبرون اللغة الإنجليزية هي لغة الثقافة والعلم فقط، دونما اللغات الأخرى، ففي كثير من الشركات أصبح اعتماد اللغة الإنجليزية وكأنها مدلول على العلم والمعرفة، وهذا كله غذاء هذه الروح.
ويشير مطارنة إلى أن جيل الآباء الحالي يؤمن بأن اللغة الإنجليزية هي لغة العصر ولغة العلم، وأي لغة أخرى “ليست مهمة” بالرغم من أن اللغة العربية هي لغة العلم وهي لغة القرآن، لافتا إلى أن الأطفال تصبح لديهم “غربة نفسية” مع غياب التعلم الصحيح للعربية.
إلى ذلك، عندما ينشئ الطفل على اللغة الانجليزية فقط فإنه يجهل “ثقافة وطنه ومجتمعه، بالتالي هو سيشعر لاحقا بغربة، لكن أمام التشجيع والإعجاب الذي يراه تصبح لديه حالة من الدافعية تجاه هذه اللغة ويعتبرها أرقى وأقوى وبأنه يمتلك قدرات أفضل من غيره، وفق مطارنة.
ويضيف مطارنة “من الجميل أن نتعلم لغات متعددة.. ولكن دون استثناء لغتنا العربية ولا استبدالها، “فإن تخلينا عن لغتنا نصبح في ضياع وبدون أي ثقافة أو حضارة ونصبح في مكان غير مكاننا”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock