أفكار ومواقف

“احمل محراثك واتبعني”

احتشد في مثل هذا الوقت من العام 1700م، في ساحة المسجد الأقصى، قريباً من قبة الصخرة، كثير من أهالي القدس؛ من أعيان المدينة، وتجارها، وناسها العاديين، ممن لديهم دوافع شتى للانتفاض، أبرزها رفض سياسات الحكومات العثمانية في الضرائب وضعف الأمن. ولكن شرارة الاحتجاج كانت أخبار تعيين قنصل فرنسي في المدينة، وكان التقليد منذ التحرر من الصليبيين، أي منذ خمسة قرون قبل ذلك، أن لا يستقر قناصل أجانب في المدينة، وخاف الأهالي أن مجيء القنصل مقدمة لعودة الاحتلال. وتحقق انتصار سريع للمحتجين، بإلغاء قرار استقبال القنصل، ما شجّع الأهالي العام 1703، على القيام بثورة على الظروف الضريبية والاقتصادية التي ترافقت مع مواسم قحط وجفاف، وتراجُع الأمن، حيث نشطت العصابات وقطاع الطرق الذين استهدفوا، بشكل خاص، مواسم الحج. وردت السلطة التركية بمعاقبة الأهالي من بدو وفلاحين وسكان مدن. وتدور قصص في المراجع التاريخية، عن “مصادرة” زوجات البعض. واختار قادة الثورة، من علماء وأعيان، ساحة “الأقصى” ثانية للتجمع، ومن هناك أحكم الثوار سيطرتهم على المدينة عامين قبل أن يهزمهم العثمانيون ويفر الثوّار.
بعد “ثورة الأشراف” بسنوات، ظهر في شمال فلسطين، ظاهر العمر (1689-1775)، الذي بدأ حياته جابياً للضرائب لصالح السلطة التركية، وتحول تدريجياً إلى ثائر يريد إنفاق الضرائب على مصالح الناس، وإصلاح الأراضي، وإطعام الفقراء، ونشر الأمن. وأوجد نهضة وصلت حد تصدير القطن والزجاج وغيرها لأوروبا، وبنيت فنادق للزوار والسواح الأجانب، واستقبل اللاجئين القبارصة الهاربين من جور حكامهم وأعطاهم أراضي لزراعتها. وتوسع من طبريا إلى عكا، ثم أسس وبنى مدينة حيفا وميناءها، وكان له مقر في الناصرة مايزال قائماً حتى اليوم، ما جعل ابراهيم نصرالله يكتب عنه رواية “قناديل ملك الجليل”. وسقط حكم ظاهر العمر بعد تكاثف الهجوم العثماني المتحالف مع الفرنسيين ضده، وقدوم جيوش غازية من مصر.
مع القرن التاسع عشر، كانت هناك ثورة ناعمة تجري في فلسطين، بتآخي الطوائف، المسلمة والمسيحية ومعها يهود. ووثقت دراسة لمركز “رواق”، وجود مبان قائمة عددها 50320 مبنى، بنيت بين العامين 1700 و1948، فقط في الأراضي المحتلة العام 1967، (أي نحو 22 % من فلسطين)؛ وكان هناك مدارس، ومكتبات، وموسيقى، وحياة. ومثلا، ذهب يوسف الخالدي للتدريس في جامعة فينا العام 1875.
وبنى الشيخ محمد الخليلي قصره في القدس العام 1860، مع مكتبة مشهورة. وبُني “بيت الشرق” لآل الحسيني العام 1897، ومن بين الضيوف الذين أمّوه الإمبراطور الألماني. وأنشأت خديجة الخالدي، العام 1900، مكتبة عامة جيء بخبراء لإدارتها من دمشق وبيروت. وكدليل على الثورة الناعمة، أسس أربع شخصيات في القدس (مسلمان ومسيحيان)، العام 1909، مدرسة سموها المدرسة الدستورية، في سياق الاحتفال بإقامة دستور عثماني، يغير طبيعة العلاقات بين اسطنبول وباقي الإمبراطورية، وشددت المدرسة التي منعت الضرب فيها على علوم حديثة مثل الصحافة والإعلام.
جاءت ثورة العام 1936 ضد الحكم البريطاني والمشروع الصهيوني، تخلخل التركيبة التقليدية، وتعلي شأن الفلاح، وتُحِل الكوفية (الفلاحية والبدوية) رمزاً ولباساً ثورياً بدل الطربوش المدني، المرتبط بالإرث التركي. وجاء تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية العام 1964، وثورة 1965، وما قبلها وبعدها من فصائل، تخلخل البنية الاجتماعية، وتأتي بأصحاب أيديولوجيا وثوريين يريدون عالما جديدا، ويريدون إيصال ثورة الأشراف لمبتغاها، ويريدون إعادة مشروع ظاهر العمر التحرري، ويريدون مكتبة خديجة الخالدي، ويرددون خلف خليل السكاكيني، العائد من نيويورك، ليكون مؤسسا للمدرسة الدستورية “احمل محراثك واتبعني”، هذا رغم مواسم المجاعة والجفاف وهجوم الجراد.
اعتاد ياسر عرفات استخدام أسطورة العنقاء، أو الفينيق؛ الطائر الأسطوري الذي ينهض من بين الرماد.
سيكون السؤال الأكبر: متى تصل ثورة لمبتغاها وتستقر؛ متى يظهر الثوريون المنتصرون؟!
محمد القيق المضرب عن الطعام، والشهيد مهند الحلبي المنتفض، والشهيدة هديل عودة الثائرة، والشهيدة أشرقت قطناني، هي وهم، وكل من استشهدوا في هذه الهبة الراهنة، جمرات يُلقيها الفينيق الذي يشعل الجذوة عندما تخبو، في انتظار الوصول للمبتغى.
السؤال الذي لم يعرف إجابة عنه منتفضو 1703، وظاهر العمر، ورواد مقهى الصعاليك في القدس زمن الانتداب، وثوّار الفاتح من 1965، هو: كيف نقوم بالخاتمة الصحيحة؟

تعليق واحد

  1. السؤال الصعب
    في الحقيقة لو ادرجنا هذا السؤال في اي امتحان لن ينجح احد وستكون نتيجة الفحص يا استاذ جميل صفرا مؤكدا !
    في ظل حركات التحرر في زمننا هذا الذي سيطر فيه الصعاليك تبقى العملية معقدة وصعبة وبحاجة الى خبرة من نوع غريب تكون وليدة اللحظة بحيث تتمشى مع الواقع الذي تعيشه تلك الاحداث اذا اردنا ان يكتب النجاح للعمل الذي نحن بصدده
    ولاشك ان الاحداث تفرض نفسها على الواقع مع توفر الارادة القوية بالرغم من قلة الامكانيات لأنها تصنع النصر لأي موقف فالمسألة الحالية الذي نحن بصددها كانت تتطلب السكين والحجر منذ زمن بعيد وربما كانت وسيلة سهلة في زمن مضى واسرع وامضى ولكن الحاجة هي ام الاختراع
    ان افضل زمن مر علينا هو الزمن الذي انتقلت فيه القيادة السياسية الثورية الى الداخل في الوقت الذي اعتقد فيه العدو انه سيسطر على هؤلاء القادة وهذه النقلة رغم انها اثر من اثار اوسلو السيئة الذكر الا انه رب ضارة نافعة فقد اعادة النضال الى الداخل في قلب فلسطين وعلى ارض فلسطين وهذه اولى الخطوات الذي سيكتب عنها التاريخ صحيح ان من احتضن الثورة في بلاده كانت له مواقف مشرفة من الاخوة العرب ولكن وكنتيجة لبعض ظروفهم لا ترقى ولا تعادل على الاقل المرحلة الحالية التي تمر بها القضية الفلسطينية لأنها كانت بالمراسلة والتحرير لا يكون الا على ارض الواقع وفي الداخل وعلى ارض فلسطين وقد رسم بدايته المرحوم ابوعمار بصموده في المقاطعة تحت حصار العدو ومن هنا كانت الشرارة والبداية وحمل محراث التحرير بهذا الصمود البطولي الذي لم يكلف احد من الرؤساء خاطره بمجرد تلفون للسؤال والاطمئنان عن قائد التحرير الذي بدأت تأتي اكلها اليوم لتضيف الى سجل الخالدين مرحلة اخرى شبيهة لما ذكرت يا استاذ جميل حتى يكتمل السجل !

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock