أفكار ومواقف

“اختطاف” الشيعة!

كما يقول إبراهيم الأمين، أحد أبرز كتاب صحيفة الأخبار اللبنانية (المقرّبة من حزب الله)، تعليقاً على جثامين قتلى الحزب التي تصل إلى بيروت تباعاً من سورية، فإنّ قيادة الحزب وكوادره وجمهوره لم يكونوا يرغبون بهذه المعركة التي فُرضت عليهم في سورية!
ربما هذا صحيح، لكنّها لم تُفرض لأنّ القتال في سورية أصبح “جزءاً من منظومة المقاومة” (!) كما يشير الأمين نفسه، بل لأنّ الحزب ليس له خيار آخر غير تنفيذ أوامر طهران، حتى لو كان ذلك مكلفاً جداً؛ رمزياً وسياسياً وشعبياً، فلا بديل أمامه وهو يعتمد في ترسانته العسكرية، وتدريبه ودعمه السياسي، وموازنته الاقتصادية كاملةً على إيران، وإذا توقف ذلك الدعم فإنّ الحزب سينتهي مباشرةً!
الحال هذه ليست مقتصرة على حزب الله، بل هي تشمل الأغلبية العظمى من القوى الشيعية العربية التي باتت بسبب الأزمة التاريخية والثقافية والسياسية، في أغلب الدول العربية، ترى إيران بمثابة المركز الإقليمي الحاضن لها؛ الذي يدافع عن مصالح الشيعة السياسية، ويظلّل معتقداتهم الدينية.
أحد المستشارين المهمّين في التيار الصدري همس في أذني مؤّخراً بأنّ التيار يدفع ثمناً باهظاً لمخالفته الأوامر الإيرانية بدعم حكومة نوري المالكي ضد ثورة الأنبار والمناطق السنيّة على الظلم الواقع عليهم، وأنّ النتيجة انعكست عبر خسارة الحزب جزءاً كبيراً من شعبيته في الأوساط الشيعية بسبب موقفه هذا في الانتخابات المحلية الأخيرة! منذ ثورة الخميني واجتراح مبدأ “ولاية الفقيه” (الذي قلب الفقه الشيعي رأساً على عقب، وأعاد لاحقاً صوغ علاقة إيران بالعالم العربي)، بدأت إيران تمدّ نفوذها لتسيطر على الشيعة العرب. وما فشل فيه الخميني، نجح به أحمدي نجاد عندما جاء إلى السلطة بعد انهيار نظام صدام حسين، وهيمنة إيران على عراق ما بعد الاحتلال؛ اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، بعد أن كانت تحتضن القيادات الشيعية خلال المواجهة بينها وبين الرئيس صدام. ودخل النفوذ الإقليمي الإيراني مرحلة جديدة وقوية، معزّزاً بالصورة التي تحصّل عليها حزب الله بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.
ليس هذا فحسب، بل  ضيّعت الأنظمة العربية فرصة الحكم الإصلاحي الإيراني (1997-2005)، فترة الرئيس خاتمي، الذي حاول الانفتاح على الدول العربية وبناء جسور جديدة، فلم يجد إلاّ الصدود أو التجاهل! العلاقة بين إيران والقوى الشيعية العربية ليست –بالضرورة- سمناً على عسل، وليست كما تبدو في ظاهرها علاقة دينية بحتة، بقدر ما هي عملية “توظيف سياسي” للعامل الشيعي في السياسة الخارجية الإيرانية، التي تستخدم الشيعة كورقة نفوذ وهيمنة (كما يبرّر ذلك الباحث الإيراني البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية في إيران، كيهان بارزيجار، في ورقة مهمة له عن العامل الشيعي في السياسة الإيرانية). ولا تقبل إيران من الشيعة العرب إلاّ التبعية والإذعان، وهو ما يفرض حالة استياء شديدة في أوساط الشيعة، فضلاً عن التنافس التاريخي بين قم والنجف والمراجع الدينية الفارسية والعربية.
لا يمكن تفسير قبول الشيعة العرب بهذا “الاختطاف الإيراني”، إلا بسبب عقم السياسات العربية وفشلها في إدماج الشيعة وتكريس التعددية السياسية والدينية، واحترام حقوقهم السياسية والاقتصادية والثقافية، والاعتراف بالتنوع الطائفي والديني، فكانت النتيجة أنّ إيران هي البوابة الوحيدة لهم، وهو خيار مكلف أكثر بكثير على الدول العربية، وتحديداً الخليجية!
يمكن الإنصات إلى أصوات متعددة ومهمة وعالية المقام من القيادات الشيعية العربية المتحرّرة من النفوذ الإيراني، مثل هاني فحص وآل الأمين في لبنان، وقبلهم العلاّمة مهدي شمس الدين. ومثل ذلك أصوات في السعودية لمجموعة من المفكّرين الشيعة الإصلاحيين؛ كما في البحرين والعراق. وهي بمثابة الصوت الشيعي الوطني العقلاني الحضاري، لكنّها أصوات ضعيفة محدودة للأسف، تقع بين كماشة الهيمنة الإيرانية من جهة، والسياسات العربية المعادية التي تنفّر الشيعة وتعاديهم من جهة أخرى!

[email protected]

تعليق واحد

  1. التاريخ
    عذرا اخي الكاتب ولكنك لو قراءة التاريخ لوجدت ان الشيعه عبر التاريخ حقد وكره للسنه ولا ننسى ابن العلقمي الشيعي الذى رتب مع التتر لاقتحام وبغداد ووصل القتل فيها لمليون ونصف على اصح الاقوال

  2. التشيع بذاته هو المشكلة
    إلى متى سنبقى نراوغ من الحقيقة أن التشيع بذاته هو المشكلة وهو فكر كفكر القاعدة مخالفه كافر يستحق الموت، لكن الفارق أن القاعدة صرحاء وليس لهم دولة والتشيع يقوم على التقية وله دولة تمارس التكفير والقتل بطريقة دبلوماسية.
    كما جرى من اعتداء طاقم السفارة العراقية على المواطنيين الأردنيين، فاحتجاج بعض السلفيين في الشارع امام منزل القائم بالاعمال الإيراني بالقاهرة اعتبرته طهران جريمة، وتفتيش قوات الشرطة البحرينية لبيت شيخ شيعي اعتبرته اهانة بالغة طهران ( ما علاقتها اصلا ؟) اما اعتداء الدبلوماسيين الشيعة العراقيين بكل وحشية على اردنيين فهو لاشيء بنظرهم ولذلك جاء اعتذارهم باهت لا لون له ولا طعم ولا رائحة.
    اما الشخصيات التي ذكرها الكاتب فهي لا تأثير لها على الأرض وسبب خلافها هو التنازع على المكانة وليس رفض التطرف الشيعي نفسه

  3. سؤال للشيخ أسامة
    طيب ماشي يا شيخ أسامة، المشكلة في التشيع، شو برأيك لازم نساوي مع الشيعة في العالم العربي؟! نستتيبهم وإلاّ يقتلون، لا نعترف بحقوقهم السياسية، لا نسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية، أعطيني الحل، هل نصارعهم إلى أن يقضي أحدنا على الآخر؟!

  4. الحكيم فينا حيران وهذا وقت العزلة!!!
    السلام عليكم وبعد
    العجيب في امر الامة الاسلامية انها تعرف اعدائها وتصاحبهم وغالبا تتقبل منهم كل شيء وتعرف ابناء جلدتها وتعاديهم ولا تقبل منهم الا القتل وليس للحوار بينهم مكانا , اليس هذا قمة اللامنطق؟!لست ادري تسمع احيانا من بعض مؤيدي الثورات العربية كلاما عن معارضيها وكانهم ليسوا مسلمين وان دمائهم مستباحة ولست ادري كيف ذلك؟؟؟وكأني بهم لم يسمعوا في حياتهم الحديث النبوي الشريف الذي بشر القاتل والمقتول من امة المسلمين في حالة الاقتتال بالنار وكل طرف يدعي الحق والاخر هو الباطل !!! والمصيبة عندما تحاول النقاش معهم بصورة محايدة لا يقبلوك ويتخذوا منك موقفا سلبيا!!! ثم يدعوا انهم يطلبون الديموقراطية!!! واعجبي !!! حتى لكأن الانسان العربي الباحث عن الحقيقة حتى لا يقع في المحظور اصبح تائهئا منبوذا من الاطراف المتنازعة ! والمصيبة الكبرى ان الاغلبية ان لم يكن الجميع شبه مقتنعون بان ما يجري من احداث على الساحة الاسلامية بجميع طوائفها ومذاهبها هو من تدبير القوى المعادية لهذه الامة واولها الصهيونية العالمية
    اليس الرحيل عن هذه الامة اجدى واقل خطرا على النفس من الانزلاق في هذه الميمعة؟!

  5. راجيا النشر
    كالعادة للأسف تقال نصف الحقائق وحتى هذا النصف لا يبنى عليه نتيجة.فالقول ان الدول العربية فشلت في ادماج الشيعة بسبب عقم سياساتها …الخ، ثم القول بان ايران هي من اختطف قول عجيب، لأن المختطف (بفتح التاء) عادة ما يكون رافضا للخطف لا ساعيا له! لكن السياسات العقيمة (كما تفضلت) هي من يدفع المخطوف للخاطف. لا العكس. الادانة الاخلاقية هنا يجب ان تكون على الانظمة السياسية والثقافية العربية وليس ايران ولا الشيعة.
    للتدليل على ما اقول اخ محمد، ارجو التكرم بقراءة التعليق رقم 1 الذي تقبل جريدتكم الغراء نشره في سياق تعزيز التعددية والتنوع!

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock