آخر الأخبار حياتنا

اختيار الأفضل للأبناء يحيّر الأهل ويصيبهم بالقلق

تغريد السعايدة

عمان- يقع كثير من الأهل في بعض الأحيان، في حيرة مستمرة، كلما تعلق الأمر باختيار الأفضل لأبنائهم في شتى مناحي الحياة، الاجتماعية منها والتعليمية والمعيشية.

وتُعد هذه الحالة من الأمور التي تسبب ضغوطاً نفسية للوالدين، وقد يكون أكثرها على الأم، كما تؤكد ذلك ملاك ياسين؛ إذ ترى أن الأم هي من تقع عادةًَ في هذه الحيرة، حتى في أبسط الأمور التي تخص الطفل، منذ ولادته.
وتقول ياسين، وهي أم لثلاثة أبناء “نحن الأهل نفكر في أبسط احتياجات الأبناء، منذ الساعات الأولى من ولادته، فنسعى لاختيار الأنسب له من الناحية الصحية”.
بيد أن الحيرة، حسب ياسين، تستمر بعد ذلك؛ إذ يتحول التفكير إلى مدى قدرة الأهل على توفير الأفضل في مناحي حياة الطفل الأخرى، وقد يحول هذا التفكير دون وصول الأهل إلى قرار مناسب، ما يجعلهم يتركون الأمور “تسير على التساهيل”، كما تقول ياسين.
وتُعتبر هذه الحالة من الحيرة “شبه ظاهرة” تصيب جلّ العائلات التي لديها أبناء، وخاصة العائلات ذات الدخل المحدود أو المتوسط، كما تؤكد ذلك لينا حناوي، التي تعتقد أن الوضع المادي والاقتصادي هو ما يجعل الأهل في حالة دائمة من القلق بسبب توفير الأفضل والأنسب لأبنائهم.
“الخيارات كثيرة ومتعددة ومتباينة، وتبعث الحيرة في نفوسنا”، تقول حناوي، “وكلما أراد الأهل اختيار شيء بعينه لابنهم إلا ووجدوا أنفسهم بين سنديان الوضع المادي ومطرقة الحاجة للأفضل”.
الاختصاصية التربوية الدكتورة أمل العلمي، ترى أن جزءا من هذا القلق لدى الأهل “يُعد صحيا”، فهو يولد بالفطرة ويمتد عبر كل مراحل الحياة.
وتتابع العلمي “البحث عن الأفضل للأبناء ظاهرة موجودة عند كل الأطياف، بغض النظر عن طبيعة الحياة التي تعيشها العائلة، عدا عن كون الشعوب، وخاصة العربية منها، تعيش تحت وطأة ظروف سياسية واقتصادية وأمنية تتحكم في قلق الأهل على أبنائهم”.
وتعتبر العلمي أن هذا نابع من الشعور بأن “أبناءنا أمانة في أعناقنا، ويجب البحث دائماً عن الأفضل لهم”. لكن الخطورة تكمن في تحول هذا الخوف “الموضوعي” إلى “خوف مرضي”، الذي كثيرا ما ينعكس سلبا على الأبناء ويؤثر في تكوينهم الشخصي.
وفي المقابل، تعتقد فادية المحسن أن على الأهل أن يتركوا الأمور تسير على طبيعتها، وألا يبالغوا في التفكير في اختيار متطلبات الابن، لأن ذلك قد يؤدي في النهاية إلى القلق، وتوتر الأعصاب.
وتؤكد فادية أنها تعرف الكثير من الأمهات اللواتي يعانين من حالات الاكتئاب نتيجة كثرة التفكير في أمور قد تتطلب تلبيتها سنوات عديدة.
فإذا كانت الكثير من العائلات تنفق ساعات طويلة في التشاور والبحث عن الأفضل لأبنائها، فإن المحسن تؤكد أنها لا تُعير ذلك أي اهتمام، وأن لديها القدرة على الاقتناع السريع بكل ما تختاره لأطفالها، سواء على مستوى الدراسة، أو الوضع المعيشي والاجتماعي. فهي ترى أنه من الأفضل أن نضع أبناءنا في “بوتقة” المجتمع الذي يعيشون فيه، مع الحرص على إطلاعهم على ثقافة الآخرين حتى يكونوا مهيئين لظروف الحياة المختلفة.
وتحار ميساء فوزي في تأمين مستقبل أبنائها الذين ما يزالون صغاراً، متسائلة “هل الأجدى أن أوفر لهم مبلغاً من المال ليساعدهم في المستقبل؟ أم أستثمر هذا المال في تعليمهم؟ أم أترك الأمور على طبيعتها، وأتركهم يتأقلمون مع الظروف وتغيراتها؟”.
هذه التساؤلات تجعل فوزي في مواجهة أسئلة صعبة ومؤرقة؛ إذ لا تنام إلا وهي تفكر في مستقبل أطفالها، وفي الخيارات الأفضل التي يمكن أن توفرها لهم.
ويختلف الوضع عند الطالبة الجامعية هديل سالم، التي ترى أن “خوف الأهل وتفكيرهم المستمر قد يسهم في إخفاق الأبناء، وجعلهم اتكاليين، وغير قادرين على اتخاذ القرار الذي يناسبهم”.
وتوضح سالم ذلك بطرحها لمثال يتعلق باختيار تخصصها الجامعي، فتقول “بقي أهلي يفكرون منذ سنوات في طبيعة التخصص الذي يناسبني”. وقد جعلها هذا الحديث المتواصل مع نفسها تخرج في النهاية من دائرة الاختيار إلى دائرة الانتظار.
وفي هذا السياق، يرى الاستشاري الأسري والنفسي الدكتور أحمد سريوي أن الخوف والقلق لدى الأهل على أبنائهم “أمر طبيعي وفطري ولا تشوبه شائبة، طالما كان هذا ضمن المعايير الصحيحة”، متابعا “لكن اذا تعدى الخوف هذه المعايير وأصبح يدخل في القلق غير المبرر، فإن لذلك تأثيرات سلبية قد تكون وخيمة على الأبناء”.
ويضرب سريوي مثالاً على ذلك في خوف الأهل وقلقهم على التخصص الجامعي الأفضل لابنهم، فيحرمون الابن من اختيار التخصص الذي يرغب به، لأنهم لا يجدون فيه الأمان لمستقبله ويختارون له تخصصا آخر لا يجد فيه نفسه وتنطفئ إبداعاته ويصبح عادياً كغيره من البشر إن لم يفشل في الدراسة بطبيعة الحال.
ويضيف سريوي أن الخوف الأكبر من هذه الحالة يندرج تحت تدخل الأهل في اختيار شريك الحياة، وهو من أسوأ التدخلات التي يمارسها الأهل حينما يجبرون الأبناء على اختيار محدد للشريك، وهو أمر “مرفوض”.
وتعتبر العلمي أن التدخل المباشر والإلزامي من الأهل في ما يناسب الأبناء وما لا يناسبهم، وتحديد خيارات حياتهم ومستقبلهم، يؤدي في النهاية إلى “طمس شخصية الابن وجعله عاجزا عن اتخاذ القرارات المناسبة”، وهو ما يعتبره البعض “أنانية وفردية من قبل الأهل”، مع ما ينعكس على شخصية الأبناء من تبعات سلبية على حياتهم.
وتؤكد العلمي أن هذا الخوف والقلق اللذين يؤديان إلى التحكم في اتخاذ القرارات من دون مشاركة الأبناء هما ما يحوّلهم إلى أشخاص اتكاليين.

[email protected]

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock