أفكار ومواقف

اخرجوا من شرايين الوطن!

كالعادة، ينشغل الأردنيون أيام الأعياد والعطل الطويلة والقصيرة، على حد سواء، بالحديث عن تغييرات مرتقبة هنا وهناك. وفي كل جلسة، يقفز من بين الحضور متابع ومنظّر للمستقبل، وما سيحدث لاحقا، لدرجة أن المتحدث يشعرك أنه كان يجلس في مطبخ القرار، وشارك فيه.
المهم، هذه العادة منذ أمد طويل. ويتسرب أي حديث؛ سواء كان فنيا أو اجتماعيا أو دينيا، للحديث عن السياسة باعتبارها فاكهة المجالس الأردنية، وحلويات الجلسات.
في مجالسنا تبرز حلول لمشاكلنا الاقتصادية والسياسية، ولمفاوضات السلام، لدرجة أن الحلول المقترحة تصيب الأزمة السورية والمصرية على حد سواء، فتجد من الحضور من يتحدث عن حلول مقترحة لهاتين الأزمتين ويتحمس لهما.
القاسم المشترك في كل مجلس هو أن المتحدث (أو المنظر) يتمترس خلف وجهة نظره، ويعتبرها الأصوب والأقدر على الخروج بالبلاد والعباد من أزمتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والأمنية، فيخيل إليك في كل مجلس أنك أمام رئيس حكومة مقبل، يملك برنامجا متكاملا لمشاكل الأردن، وأن عنده تصور عن حلول للأزمات.
المعضلة أن بعض من نستمع إليهم يكونون تسنموا في بعض مراحل مسؤولية وزارة، أو أمينا عاما لمؤسسة حكومية كبرى، أو سفيرا أو نائبا أو عينا، ولم يفعل مما يقول شيئا يذكر، بل إن بعضهم زاد الطين بلة. 
من حق المواطن العادي التحدث عن المشاكل الذي تهمه، وتؤثر على مستقبل أطفاله، وعلى قدرته الشرائية والاقتصادية سلبا أو إيجابا. ومن حقه اقتراح حلول؛ فلطالما خَبِر المواطن مسؤولين كثرا كان يسمع منهم أعذب الكلام قبل تولي المسؤولية، ولكنهم لم يفعلوا شيئا يذكر عندما وصلوا لما يريدون، فظهر أن ما قالوه في مجالس الأعياد مجرد فقاعات في الهواء، وكلام تذروه الرياح.
تبدلت حكومات كثيرة؛ جاءت حكومات محافظة وأخرى ليبرالية وثالثة تكنوقراط، وحُلّت مجالس نواب، وأعيد تشكيل مجالس الأعيان، وشُكلت لجان بعضها للحوار الوطني وأخرى للأجندة الوطنية، فاقترحت حلولا. ولكن كل ما كان يأتي في خطابات الثقة، وما طرز في الأجندة الوطنية ولجنة الحوار، استمر حبرا على ورق ولم يُفعّل، وبقينا نراوح مكاننا بدون تقدم للإمام، مع الاعتقاد بأننا نعود إلى الوراء في مناح شتى.
مشكلتنا ليست في الحلول؛ فالمقترحات موجودة، ويمكن أن تُفعل في أي لحظة. إذ إن الأجندة جاءت بحلول طويلة وقصيرة الأمد، وكذلك لجنة الحوار الوطني وضعت مقترحات لقانون انتخاب متطور، وأرست تصورا عن فكرة الدولة الجامعة التي تتسع للجميع بدون استثناء. ولكن كل المقترحات والحلول لم تُفعّل، وبقيت على الرفوف ولم يؤخذ بها.
إذن، هناك من يعرقل مسيرتنا، ولا يريد لها الانطلاق للإمام. وهناك من يضع العصي في دولاب التطور وبناء الدولة الحديثة التي تتسع للجميع، وتقوم على مبدأ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون.
هناك من يبث بين ظهرانينا عوامل التشرذم والفرقة، ومن يعمل لبقاء الحال كما هي عليه الآن، جمود بلا تطور للإمام. وهناك من عطل الأجندة الوطنية والحوار الوطني ودفع البلاد لعدم التوافق، حتى تبقى الحال على ما هي عليه.
إذن هناك مستفيدون من هذه الحال؛ متغلغلون في مفاصل الدولة الأساسية، يرون أن مصالحهم تقتضي أن تبقى الأمور كما هي اليوم بلا تطور، لأنهم على يقين أن أي إصلاح حقيقي سيطولهم؛ سؤالا وتقريعا وربما اتهامات. هؤلاء يدافعون عن مصالحهم وليس عن مصالح الوطن.
هؤلاء تسللوا في شرايين الوطن فعشعشوا واستفادوا، وبات إخراجهم يتطلب عمليات قيصرية في مطارح مختلفة، وفي أماكن متعددة، بعضها مؤلم. ولكن في جميع الأحوال بتنا بحاجة إلى مثل تلك الجراحات إن كانت النية متوفرة للسير للأمام.
ترى لو خرجت تلك الأصناف من بيننا من جلدنا، هل ستكون الحكومة بحاجة إلى تكبيل المواطن أكثر بارتفاع أسعار، وبقوانين ضريبة مجحفة بحق المواطن؟

[email protected]

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock