أفكار ومواقف

“ادفن واسكت”!

هذا العنوان مستوحىً من قصة ذكرها النائب السابق عبدالقادر الحباشنة، على هامش ندوة “الشفافية في السياسة الخارجية الأردنية.. كيري نموذجاً” (والتي عقدت في النقابات المهنية). جوهر القصة أنّ أهل قرية تعوّدوا عند دفن الموتى ذكر محاسنهم عند المقبرة، إلى أن تُوفيت امرأة لا تمتلك سمعةً حسنة. فوقف الناعي على المقبرة، وكان معروفاً بـ”شفافيته”، فاحتار ماذا يقول، إلى أن أنقذه أحد الأشخاص الواقفين، واختصر المهمّة الشاقّة، قائلاً “ادفن واسكت”!
بالطبع، من الظلم أن نطبّق هذا الوضع على السياسة الخارجية الأردنية بصورة مطلقة. فالدبلوماسية الأردنية تتعامل بشروط صعبة في المنطقة، في موقع جيو-استراتيجي حساس، ومعادلة تاريخية محدودة، وميزان دقيق مع المصالح الوطنية الأردنية والضغوط المتعددة. إلاّ أنّ المقصود بذلك أنّ هذه السياسة لا تتوافق، في أغلب الأحيان، مع رغبات الرأي العام الأردني، ولا تطلعاته وقيمه، في ملفات عديدة؛ وتُصنع بعيداً عن القنوات السياسية المكشوفة، وعن المنظور الإعلامي، في نطاقٍ ضيّق ومغلق. فالشفافية فيها أمر صعب تحققه، ما يدفع المسؤولين إلى تطبيق ذلك المثل “ادفن واسكت”!
هذا ليس تبريراً بأيّ حالٍ من الأحوال، لكنّه تفسير للغياب المطبق للشفافية والوضوح في ترسيم سياستنا الخارجية وعملية صناعة القرار فيها؛ ليس الآن فقط، بل منذ تأسيس الدولة نفسها. لكنّ هذه الحكمة “ادفن واسكت” لا تصلح في كثيرٍ من الأحيان، ولم تعد قادرة على مسايرة التطورات الإعلامية والحراك المجتمعي والسياسي اليوم؛ إذ لا توجد أسرار أو خبايا، فضلاً عن أنّ أضرارها أكبر بكثير من مزاياها.
في إسقاط ذلك على موضوع خطّة وزير الخارجية الأميركي جون كيري المرتقبة، فإنّ غياب المعلومات الحقيقية والبيانات الدقيقة عن الرأي العام الأردني والإعلام المحلي، جعل الجميع نهباً للإشاعات والمبالغات والتهويل والتضخيم، بل نقل الصراع قبل أن يعلن الرجل خطّته رسمياً، إلى البيت الداخلي الأردني؛ ففجّر الخلافات الداخلية، وانبثق، مرّة أخرى، الحديث عن التوطين والوطن البديل و”تصفية القضية الفلسطينية”، وانقسم المجتمع على نفسه تجاه الموقف من مسألة اللاجئين وحقّ العودة.
ولعلّ الزميل والصديق العزيز، أحمد الزعبي (الكاتب الساخر) اختزل المشهد في مقالته الجميلة “ماذا تركتم للمواجهة؟”، بقوله: “مجرّد أن هفّت رائحة “حقيبة كيري”.. وقد “هبّرنا” بعضنا اتهاماً وتخويناً وعنصرية وشتائم واصطفافاً… إذا كل هذه القوّة في اللوم والتهديد والهجوم “فُرّغت” في رأس الشقيق.. ماذا تركتم للمواجهة؟!”.
بالرغم من محاولات التطمين الرسمي المتعددة، إلاّ أنّ الرياح السامّة ما تزال تملأ أجواءنا الاجتماعية والسياسية. والمسؤول عن ذلك هو غياب الشفافية، وعدم توفير معلومات من قبل المسؤولين المعنيين، عما يحدث في كواليس مفاوضات الفلسطينيين والإسرائيليين، وانعكاسات ذلك على الأردن، وكيف يفكر “مطبخ القرار” في عمان.
بالضرورة، في كثير من الأحيان من الأفضل ألا يتم ذلك عبر تصريحات رسمية تحمّل الأردن مواقف مسبقة. لكن يمكن أن يتم ذلك، كما يحدث في أغلب دول العالم، عبر تسريبات في تقارير ومقالات إعلامية، تضع الشارع الأردني في صورة ما يجري، ولا تترك الجميع عالةً على ما تنشره الصحافة الإسرائيلية والأميركية بدرجة رئيسة.
بالعودة إلى الندوة، فإنّ أبرز ما كشفته، وفق رأي أغلب الحضور، هو حجم التمزّق في المشهد الداخلي الأردني، وحالة الضياع والتشتت وتفكّك عرى اللّحمة الداخلية والوحدة، وعدم وجود تصوّرات مشتركة وطنية مجتمعية للمرحلة المقبلة وللقواسم العامة. وهو ما يستدعي مؤتمراً يجمع قيادات سياسية مجتمعية معتبرة، ترسم رؤية وطنية جامعة، بدلاً من الاستسلام لخطابات الاحتراب التي تؤزم المناخ الداخلي بدلاً من تصليب الجبهة!

[email protected]

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. حط بالخرج
    لقد بح صوتنا وجفت اقلامنا ونحن المواطنين نطالب الحكومات المتعاقبه بخلوه وطنيه لبحث الداخل الاردني والسياسه الداخليه والخارجيه ان النار تاتي من مستصغر الشرر ..يجب على حكومتنا ان لا تمارس دور النعامه مطلوب منها ان تمارس دور الديك وتصيح باعلى صوتها ان الخطر الخارجي والداخلي وصل تقريبا الى الخطوط الحمراء …..هل سنسمع صوت ديكنا ام سنبقى نقول حط بالخرج

  2. ترابط السياسات الداخلية والخارجية
    مقال يستوجب التأمل بما خلف سطوره، واعتقد بان المطالبة بالشفافية بالسياسة الخارجية حق لكل مواطن يريد المعرفة. ولكن كيف سيشارك من يريد بتفعيل حقه باتخاذ القرار بدون وجود آليات ومؤسسات تمكنة من المعرفة والمشاركة، اولها برلمان تمثيلي حقيقي تعددي، واحزاب تستطيع فرض وبيع برامجها بواقعية تنفيذية، ومؤسسات مجتمع مدني فاعلة. يجب ان يتوفر مساران اولهما مواطنة مدنية بحقوقها ومفهومها وواجباتها، والثانية ثقافة سياسية واعية بعيدة عن الجغرافية العشائرية الشحصية الدينية المذهبي. للاسف لا نزال نعمل على المسارين، ولذا المطالبة بالمعرفة تصبح فقط فرقا لمن يعلم ولا يعلم، وبالحالتين فهو ليس جزء من منظومة صنع القرار، حيث تصبح الوطنية مفرغة من جوهرها.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock