أفكار ومواقفرأي اقتصادي

ارتفاع كلفة الأيدي العاملة: الفرضية الوهم!

في إطار الاجتماعات العديدة التي جرت في العاصمة الأميركية واشنطن، الأسبوع الماضي، خلال اجتماعات الربيع الدورية لصندوق النقد والبنك الدوليين، أثيرت العديد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية للنقاش؛ حيث طرح كبار موظفي صندوق النقد الدولي وخبرائه بعض الأفكار التي تستحق القراءة والنقاش، وفي هذه المقالة سيتم مناقشة فرضية عرضها ودافع عنها كبار موظفي وخبراء “الصندوق” في أكثر من لقاء، وتتمثل في أن ارتفاع كلفة الأيدي العاملة في الأردن، يعد من أهم التحديات التي يواجهها القطاع الخاص.
ولأن القرارات الاقتصادية عادة ما تقوم على فرضيات محددة، فإن التسليم بصحة هذه الفرضية يترتب عليه الكثير، ويفسر أيضا الكثير من السياسات الحكومية التي نشهدها في الأردن منذ سنوات عدة، وأسهمت في إضعاف شروط العمل، وتعميق التفاوت الاجتماعي، واتساع مساحة الفقر، ما دفع الناس للخروج الى الشارع احتجاجا على شروط تراجع شروط الحياة.
فمن جانب، علينا التسليم أن اقتطاعات (اشتراكات) الضمان الاجتماعي مرتفعة نسبيا مقابل المنافع التي تقدمها المؤسسة للمشتركين، وهي بحاجة الى تخفيض للتخفيف على العاملين وأصحاب الأعمال، ولتشجيع منشآت الأعمال على مزيد من التشغيل، الى جانب الحد من حدة التهرب التأميني الواسع جدا، وهذه قضية لطالما تحدثنا عنها في مناسبات عديدة.
ولكن ارتفاع اقتطاعات الضمان الاجتماعي لا يعني أن الفرضية صحيحة، لا بل إن مختلف المعطيات والمؤشرات الإحصائية الرسمية تدفع باتجاه الإقرار بعدم صحتها.
فمن جانب، تشير أرقام دائرة الإحصاءات العامة الى أن معدلات الأجور في الأردن لا تزيد على 500 دينار شهريا، ومؤشرات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي تشير الى أن ما يقارب نصف القوى العاملة في الأردن -المشتركون في الضمان الاجتماعي- يحصلون على أجور شهرية بواقع 400 دينار شهريا فما دون، وهي تقل عن خط الفقر المطلق للأسرة المعيارية.
يضاف الى ذلك أن أجور العاملين غير المنظمين -غير المشتركين في الضمان الاجتماعي و/أو نظم التقاعدين المدني والعسكري- الذين يشكلون ما يقارب نصف القوى العاملة، تقل بحوالي 15 % من أجور العاملين المنظمين حسب بعض الدراسات.
كذلك تفيد بعض الدراسات أن مستويات الأجور في القطاعين العام والخاص تراجعت منذ العام 2010 مقارنة مع ارتفاعات معدلات التضخم ومؤشر ارتفاع أسعار المستهلك.
للأسف يبدو أن هذه الفرضية هي التي حكمت توجهات الحكومات المتعاقبة والحكومة الحالية، بالضغط على شروط العمل، وعدم رفع الحد الأدنى للأجور الذي يقف منذ ما يقارب العامين عند مستوى متدنّ جدا، يقل عن نصف قيمة خط الفقر المطلق للأسرة المعيارية، وهي كذلك التي وجهت الحكومة ومجلسي النواب والأعيان لتمرير تعديلات قانون العمل مؤخرا، والذي ضيق الخناق على العاملين، من خلال وضع المزيد من القيود على حقهم في تشكيل نقابات والمشاركة في المفاوضة الجماعية.
هذا لا يعني أن القطاع الخاص لا يعاني من تحديات وأعباء، فهنالك العديد منها، ولكن التحديات والأعباء تستوطن في أماكن أخرى، غير تكلفة الأيدي العاملة؛ حيث صعوبة تأسيس الأعمال، وضعف سيادة القانون، والتدخلات خارج نطاق القانون، وارتفاع أسعار الفائدة، ومنافسة الحكومة للقطاع الخاص على الاقتراض الداخلي، وارتفاع تكاليف الطاقة والرسوم الجمركية وغيرها.
التجربة الأردنية والعالمية تفيد أن المؤسسات الناجحة والمستمرة في عملها والتي تتوسع وتحقق نجاحات ملموسة وأرباحا، هي التي تعتني أكثر بالقوى العاملة -أجورا وتدريبا وحمايات اجتماعية- والمؤسسات التي تهمل هذا الملف هي الشركات المتعثرة ودائمة الشكوى. وتكفي نظرة سريعة على شروط العمل في الشركات الناجحة للتحقق من ذلك.
آن الأوان للتفكير العميق وإعادة النظر بالعديد من الفرضيات الوهمية التي يستند إليها صناع القرار عند رسم السياسات العامة واتخاذ قراراتهم، ومنها الفرضية المذكورة أعلاه، والتي دفعت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الأردن الى مستويات صعبة جدا. ويجب علينا معالجة جذور المشاكل الحقيقية، وتطوير سياسات اقتصادية واجتماعية عادلة وتوافقية تأخذ بعين الاعتبار مصالح مختلف مكونات المجتمع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock