أفكار ومواقف

ارحموا الناس

توقفوا عن تعريض هذه الأجساد الضعيفة لمزيد من الاختبارات القاسية، فهي لا تحتمل. هذه المجتمعات من طينة هشة، وفي صراعها المديد من أجل البقاء، فقدت معظم مناعتها.
عاشت الدهر طويلا تتنفس هواء الحرية من نوافذ بحجم خرم إبرة. مرة واحدة وجدت نفسها أمام أبواب مشرعة لتيارات وعواصف من كل صوب. الكلام عن زمن جميل مضى مجرد هراء. الواقع أن الجمهور العريض لم يتعرض طوال ذلك الزمن لاختبارات كالتي يتعرض لها في زمن الانفتاح؛ زمن “السوشال ميديا”.
أحيانا نلقي باللائمة على موجات التغيير. ليس صحيحا أن “الربيع العربي” هو مصدر العلة؛ الثورات هي التي كشفت علاتنا.
باختصار، نحن لسنا جاهزين بعد لهذا القدر من الحرية. رياح التغيير التي هبت على مجتمعاتنا كانت أقوى من قدرتنا على مسايرتها. لم نحتملها فأعيتنا فوق ما نعاني.
استغرقنا في الأوهام، وصدقنا القول أن العالم أصبح قرية صغيرة، وأن روابط “الميديا” أقوى من الروابط الاجتماعية والثقافية. ليس صحيحا؛ التكنولوجيا لن تصنع التغيير أبدا، وستظل الفوارق الثقافية والحضارية هي العامل الحاسم في تقرير مكانة المجتمعات على الخريطة العالمية.
حضورنا الطاغي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لا يعني أننا على درجة واحدة مع باقي الشعوب.
كان طموح المتنورين أن تتحول تلك المواقع إلى جسور للتواصل بين أبناء المجتمع الواحد، ومنابر لتعزيز قيم الحرية وقبول الآخر وإثراء التعددية. لم يحصل ذلك للأسف؛ فقد تحولت إلى منصات لبث الكراهية، وتعميق الهويات الفرعية، وزرع الشقاق بين الناس.
ليس بيدنا مفتاح النوافذ المشرعة كي نغلقها. لكن دعونا نتوقف عن تعريض مجتمعاتنا الهشة لمزيد من الاختبارات. لقد جربنا مرارا امتحان القدرات، وفي كل مرة بلغنا النتيجة نفسها.
لحسن الحظ أن اختباراتنا في الأردن ما تزال في نطاق المجتمع الافتراضي، ولم تصل حيز الواقع. لكن من حولنا تجارب واقعية مريرة لمجتمعات كنا، حتى وقت قريب، نعتقد واهمين أن روابطها أقوى من روابطنا، وتحوز على تاريخ من العيش المشترك والقيم المدنية بما يفوقنا بدرجات.
أين انتهت هذه المجتمعات بعد أول محاولة للنهوض؟ دخلت في صدام أهلي لا نهاية له. خسرت ما كان لها من رصيد في الحياة على تواضعه، وفقدت الأمل بالمستقبل.
المبالغة في تناول الأدوية تقتل المرضى أحيانا. ثمة أجساد لا تحتمل الجرعات الثقيلة من الأدوية، فتذوي وتموت بدلا من أن تشفى.
يتعين على الطامحين إلى مستقبل أفضل لمجتمعاتنا أن يدركوا، أولا، أنها مجتمعات عيية، ضربتها على مدار التاريخ أوبئة من كل الأنواع، حتى غدت عصية على العلاج. لا بد أولا من تشخيص حالها بدقة، وتبني خطة مدروسة لعلاجها؛ العلاج بالصدمات يستفز غرائزها، فترد بوحشية شهدنا نماذجها القاتلة.
تمارين الواقع الافتراضي تفيدنا بذلك، فارحمونا يرحمكم الله، قبل أن نترحم على ذلك اليوم الذي كنا فيه. دعونا نعود إلى الواقع قليلا قبل أن نخسر بعضنا في الواقع الافتراضي.

تعليق واحد

  1. "صراع المعايير"
    هذا ماأشرنا اليه في كثير من التعليقات ان جل اسبابه نتيجة الوافد لمجتمعاتنا دون استئذان واو تمحيص او فلترة بدء من الكلمة ولوجا ل الإحتلال ومابينهم من خفافيش الليل المروجين جهالة واوتبعية والمملى من قوانين ومنظمات ومصطلحات تحت مسميات مزركشة (باطنها خليط من السم والدسم)الغير متوائمه على مانحن عليه من قيم وثقافة وعقيدة والأنكى تعريفها من قبل من قوننوها وفق مايخدم مصالحهم على حساب الغير؟؟ المجتمعات الهشّة تحتاج الى ترميم روافعها بالعودة الى موروثها "حيث كنّا خير امة أخرجت للناس" عندما توحدنا متلحفين بتشريع ديننا السمح وغزونا بحضارتنا وعلومنا وتجارتنا مشارق الأرض ومغاربها دون اكراه او تغول على أحد ؟؟ وليس تقليد الغير ولبس عباءة التبعية تحت ستار الحداثة والعولمة ومايجب ان يكون في حواري باريس يجب ان يكون في حواري عيرا ويرقا؟؟؟

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock