بعد أن تشاهد فيلم “سنودن” سترمي هاتفك على السجّادة. ستنهض نحو حاسوبك المحمول، وتفكر في أن تحطمه تحت حذائك الصلب أو تغرقه في المغسلة. ستحكُّ فروة رأسك حتى تتذكر أيّ جهاز ذكي آخر في بيتك. ستدور حول نفسك مثل فاقد لأوراقه الثبوتية، ثمّ تنظر في زوايا بيتك، وتصعد لتفقد الثريات، إن كان هناك كاميرا بحجم حبة زيتون سوداء، وضعتها وكالة الأمن القومي.. نعم الأميركية.
وسنودن هو إدوارد جوزيف، الذي هرب من الخدمة في وكالة الأمن القومي الأميركية، بعدما سرّب تفاصيل برامج المراقبة السرية، لإيمانه أن هذا التجسّس يشكل تهديداً حقيقياً للديمقراطية التي تنادي بها بلاده. ومن منفاه الاختياري في موسكو اللدودة، قال الشاب الذي كان عمره ثلاثين عاماً “لستُ خائفاً من شيء”، والشيء هو عقوبة السجن حتى تسقط أسنانه.
ستقول أنتَ، “وما شأني أنا أن أرمي هاتفي على السجادة، وأغرق حاسوبي في المغسلة”. نعم فأنت لم تكن حاملاً لإبريق الوضوء للشيخ أسامة بن لادن في البيت الباكستاني الأبيض، ولستَ بالطبع أحد الثقاة الذين ائتمنهم صدّام حسين على مخبئه في هروبه. كما أني أعرف تماماً أنك لا تصلح أبداً أن تكون واحداً من النسخ “المضروبة” للثائر إرنستو تشي جيفارا.. أو الرفيق كيم الشمالي.
لكنك إن شاهدت فيلم سنودن البديع، ستفزع حين تعرف أنّ مشبوهاً واحداً في بلادك، يكفي أن تكون مراقباً نأمة بنأمة، فكلّ مشبوه تستهدفه وكالة الأمن القومي الأميركية بدائرة كبيرة من معارفه ومن يتعاملون مع معارفه ومن يمرّون بجانب معارفه، فهم إذاً يستمعون ويقرؤون ويشاهدون مليارات الرسائل المكتوبة والمرئية، بل إن كان أحد الموظفين (يسمونهم عملاء) ضجراً، يمكنه مشاهدتك حتى وأنت تحكّ سُرّتك.
ستذكّرُ بالطبع تلك الطرفة القديمة التي كان كلّ بلد يضع اسمه فيها، والتي تقول إنه بعد أن أفرغت وكالة الأمن القومي محتويات المكالمات الهاتفية لهذا البلد، لتحليل مضمونها، اكتشفت أن أغلبها يطلب فيها المتصل من المتصل به، شراء ربطة خبز في طريق العودة إلى البيت. لكنّ هذا كان قبل الأجهزة الذكية، والكاميرات المثبتة فيها مثل أعين الأقرباء والأنسباء.
ستفزع أكثر لما تعرف أنّ لوكالة الأمن القومي ما يعادلها في الدول كافة، وهذا يعني أن الإنسان مراقب على أيّ جنب ينام عليه، وفي أيّ شارع يمشي فيه، له صورتان من الأمام ومن الخلف، وإن فاتت نأمة على عميل وكالة الأمن القومي، فإن العميل “الآخر” سيرصدها، وربما يرسلها بالبريد المشفّر.. لهذا سترمي هاتفك على السجادة، وتُغرق حاسوبك في المغسلة، وتحنّ للمراقبة من وراء الجريدة المثقوبة.
أما أنا فليس لي بعد أن كدّرتُ حياتك، وأخّرتُ منامك، سوى أن أقول بأسف: فيلم سنودن البديع.. لا أنصح بمشاهدته!

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock