أفكار ومواقف

استبداد الآلات.. أيضاً!

في حين ينصب كل تركيزنا هنا في هذه المنطقة على العنف والخوف وتعاظم طوفان التخلف، يتحدث العالم الآن عن تهديد جديد: أن تسرق الآلات والذكاء الاصطناعي وظائف البشر وأعمالهم، وتتركهم عاطلين. وكنا نألف مشهد خط الإنتاج في مصنع للسيارات، حيث تقوم أذرع آلية بتجميع السيارة من الألف إلى الياء تحت إشراف فني واحد. لكن الآلات تقوم الآن بأداء أعمال أكثر قرباً، مثل أخذ الطلبات من الزبائن وتزويدهم بالخدمة وتقاضي الثمن. بل إن محلاً يابانياً يستخدم فتاة آلية مبتسمة جميلة القوام للترحيب بالزبائن. وبطبيعة الحال، لا يتحدثون في الغرب والشرق المتقدمين عن هذه المسألة باستهانة، وإنما بمنتهى الجدّية.
أين نحن من ذلك؟ كالعادة، لا شأن لنا بالخوض في هذه الشؤون؛ أولاً، لأن لدينا كل ما يشغلنا عن مشاركة العالم أحاديثه وهمومه، بينما ننهمك في جدل بالسلاح حول قضايا متجذرة في القرون الوسطى. ثانياً، لن يطلب رأينا أحد، حتى لو كنا رائقين، لأننا نستهلك ونتلقى فقط كل ما تنتجه حركة العالم المنتج. كما أنه إذا اشتغلت الآلات في العالم الآخر محل البشر بعد عقد، فإنها قد تهاجم وظائفنا منتصف القرن أو بعد ذلك -إلا ما قد يشتريه الأثرياء من روبوتات لتزيين منازلهم أو مكاتبهم. أما أننا سنتأثر بقصة الآلات، فسنتأثر حتماً وكثيراً، لأننا لا نعيش في كوكب آخر، ولو أننا نبدو كذلك في الحقيقة.
هناك في العالم المتقدم من ينظرون إلى هجمة الآلات بقلق، وهناك الذين يحاولون تهدئة المخاوف، معولين على مجموعة من الطبائع والسمات البشرية لتضع حداً لطموح الآلات. وقد عرض باحث أن البشر سيظلون في حاجة إلى البشر بدافع حب الاجتماع، وتدخل الجوانب العاطفية في تعاملاتهم. وعلى سبيل المثال، قال الباحث إنك ترتاد مطعماً معيناً أكثر من غيره بسبب جو الضيافة والخدمة وارتياحك للناس العاملين هناك، وهو ما لا توفره الآلات. وأضيف من عندي -من باب تجربتي العملية- أن أي برمجيات ذكية لم تستطع حتى الآن ترجمة حتى عبارة واحدة بشكل صحيح بين لغتين، ناهيك عن فقرات وكتب ونصوص إبداعية. وأضيف أيضاً أن العاملين إذا أصبحوا آلات، سيجردون صاحب العمل الرأسمالي من أشياء عزيزة على الطبع البشري: أن يشعر بتعاليه وتمايزه عن عماله؛ أن يرى في عيونهم الاستياء من ظلم أو الامتنان لفضل؛ أن يختبر احتجاجهم ويشهد تعبهم وانفعالاتهم وما يجنونه، في مقابل راحته واسترخائه وأرباحه؛ فكرة السيادة والتبعية، وهكذا.
أحد الأسباب التي يذكرها الباحث المذكور لاستبعاد شبح سيادة الآلات، هو “الديمقراطية” وحق الناس في التصويت. وهو يتصور أن الجمهور المتضرر من الآلات في المجتمع الديمقراطي لن يسمح -سواء بالاحتجاج المباشر أو عن طريق ممثليه- بتمرير التشريعات التي تخدم عمالة الآلات على حساب البشر. ويذكر الباحث ميزة بشرية أخرى: قدرة البشر على الثورة وفرض التغيير.
هذه مشكلة بالنسبة لنا هنا، لأن مسألة “الديمقراطية” ليست شيئاً نستطيع الاستعانة به في حال استبدت بخبزنا الآلات. كما أن “الثورة” على طريقتنا تعني تدمير الذات بالطريقة التي تحدث الآن. وإذا قرر الرأسماليون البراغماتيون المحليون استبدالنا بالآلات، فسيكون الحال صعباً بلا ديمقراطية ولا ثورة. لكن هناك مع ذلك أشياء لتهدئة المخاوف -إذا فرغنا يوماً للخوف من هذه المسألة. أولاً، سوف يظل السيد صاحب النزوات الغربي محتاجاً إلى الاستجابات البشرية التي تؤكد تفوقه إذا استبدل مواطنيه بالآلات، وسيلزمه أن يستعيد معادلة “السيد/ التابع” هنا عندنا. لذلك، سيحرص على عدم استبدالنا بالآلات. وكذلك لن يرضى الساديون بحكم أتباع “غير عاطفيين” لا يشكون ولا يبكون ولا يخافون مثلنا.
ثم، من قال إننا لا نألف الآلات؟ يقال إن قاتل رواد المنتجع التونسي مزح مع الناس قبل ذبحهم. ومفجر المسجد الكويتي لم يرمش جفنه قبل قتل نفسه مع الراكعين العابدين؛ ومهاجم المصنع الفرنسي لم يفكر حين قطع رأس شخص غافل ينتظر العودة إلى أولاده. وهناك فظاعات “داعش” وأشباهها، وقسوة الأنظمة وأجهزتها وجلاوزتها. وكل هؤلاء لهم برودة الآلات وحياد عقلها وعاطفتها. والبطالة هنا كبيرة من دون آلات -أو بسبب كثرة البشر/ الآلات. كلنا تحيدت عواطفنا وعقولنا ونخضع فعلاً لاستبداد الآلات.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock