;
ترجمات

استبدال النفط والغاز الروسيين بمصادر الطاقة المتجددة

هيلين كلارك ودان سميث ومارجوت والستروم*
أوكلاند/ ستوكهولم – لقد تسبب الغزو الروسي لأوكرانيا في زعزعة العديد من الافتراضات الغربية الراسخة بشأن أسس السلام في أوروبا. فقد عمل هذا الغزو من بين أمور أخرى على تجديد تركيز صناع السياسات على الاعتماد على الطاقة باعتباره قضية إستراتيجية رئيسية.
وقد أعلنت الولايات المتحدة مؤخرًا حظرًا فوريًا على واردات النفط والغاز الروسية، في حين تعهدت المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بنقص الواردات بشكل تدريجي. إن السبب المنطقي هنا واضح للغاية: معاقبة روسيا، والحد من نفوذها، وإعادة السلام إلى أوكرانيا. ومع ذلك، فإن الخيارات الخاطئة التي يتم اتخاذها الآن -وعلى وجه التحديد الاستمرار في تفضيل الوقود الأحفوري على مصادر الطاقة المتجددة- يمكن أن تجعل المستقبل أقل سلامًا إلى حد كبير.
وفي السنوات الأخيرة، أصبحت بعض الدول الغربية تعتمد اعتمادًا مفرطًا على واردات الطاقة الروسية من النفط والغاز، لذلك لم يكن قرار تقليص وارداتها بالأمر السهل. لكن القرار الأكبر والأكثر صعوبة الذي يواجه الحكومات الغربية يتلخص في كيفية الحد من اعتمادها الكلي على الوقود الأحفوري. إن مجرد الاستعاضة عن مصدر قذر للطاقة بمصدر آخر يعني تخفيف التهديدات المتزايدة لتغير المناخ لاحقًا -هذا إذا حدث ذلك أصلاً.
وبالنظر إلى الضغوط التي تفرضها الأزمة الأوكرانية الحالية، فإن قصر النظر هذا سيكون مفهومًا. يتعين على الحكومات الغربية سد فجوة الطاقة الناتجة عن تعليق الواردات الروسية من الوقود الأحفوري، في حين تعمل على تقليل الأضرار التي تلحق بالاقتصادات الوطنية. وفي الوقت الحالي، تحظى الحكومات بتأييد عام. ومع ذلك، في حال ارتفعت تكاليف الطاقة إلى مستويات أعلى مما ينبغي، أو أصبح النقص مدمرًا للغاية، فقد يؤدي الخراب الاقتصادي الناتج إلى تقويض الدعم العام.
لذلك، يجب خلق أي مصادر بديلة للطاقة بسرعة وتوفير إمدادات موثوقة وبأسعار معقولة. ولا ينبغي لها خلق اشتباكات جيوسياسية جديدة قد تسبب مشاكل في المستقبل.
وفي مؤتمر الطاقة السنوي الأخير «سيراويك» الذي انعقد في هيوستن (تكساس)، سارع الرؤساء التنفيذيون لعمالقة النفط «Big Oil» وجماعات الضغط التابعة لهم إلى اقتراح زيادة إنتاج النفط والغاز، ورفع حصص الإنتاج، وتخفيف القيود التنظيمية، وعكس السياسات الرامية إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وقد دعم العديد من محللي الطاقة وخبراء الاقتصاد هذا الموقف.
ولكن مع تحول تغير المناخ بسرعة إلى دافع رئيسي لانعدام الأمن في مختلف أنحاء العالم، فإن مضاعفة استخدام الوقود الأحفوري من شأنه أن يشكل خطأ مأساويًا -وهو خيار قد يجعل العالم مكانًا أكثر عنفًا في العقود المقبلة.
فقد سلط تقرير فجوة الإنتاج للعام 2021 الضوء على الانفصال بين خطط إنتاج الوقود الأحفوري الحالية والتعهدات المناخية. وفي ظل السياسات الحالية، أصبح الانحباس الحراري العالمي في طريقه للوصول إلى مستوى كارثي يبلغ 2.7 درجة مئوية هذا القرن. يتعين علينا العمل بسرعة على إغلاق الآبار والمناجم وتقليص الإنتاج، وليس زيادة الطاقة الإنتاجية.
يؤدي تغير المناخ بالفعل إلى جعل العالم أكثر خطورة وأقل استقرارًا. قدم التقرير الأخير الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) -والذي أطلق عليه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اسم «أطلس المعاناة الإنسانية»- تقييمًا صارمًا للتكاليف الاقتصادية والبشرية الهائلة المترتبة حتى على التأثيرات المبكرة لتغير المناخ التي نشهدها الآن. إنه يرسم صورة المستقبل الذي يجب تجنبه.
فقد كشفت دراسة استقصائية للعناوين الرئيسية على مدار الأشهر الـ12 الماضية عن أرقام قياسية للفيضانات والعواصف وحرائق الغابات وموجات الحر والجفاف. لقد أصبحت كل هذه الظواهر الجوية أكثر تواترًا وشدة وفتكًا نتيجة لتغير المناخ، ويمكن أن تزيد جميعها من احتمالات نشوب النزاعات وعدم الاستقرار. واليوم، يتم نشر 80 % من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في البلدان التي تعد الأكثر عرضة لآثار تغير المناخ. وعلى نحو مماثل، وجدت دراسة حديثة أن زيادة درجة الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة كانت مرتبطة بزيادة بنسبة 54 % في وتيرة الصراعات في أجزاء من إفريقيا؛ حيث يتنافس البدو رعاة الماشية والمزارعون المقيمون على الإمدادات المتناقصة من المياه والأراضي الخصبة.
ووفقًا لتقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فإن العواقب المترتبة على تغير المناخ تؤدي بسرعة أكبر إلى زعزعة استقرار الأماكن التي تكون فيها التوترات شديدة بالفعل والهياكل الحكومية ضعيفة أو فاسدة بالفعل. وكما يظهر بحث تقرير بيئة السلام القادم الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، ازدهرت الجماعات المتطرفة المُسلحة مثل حركة الشباب المجاهدين وتنظيم الدولة الإسلامية وبوكو حرام في المناطق التي تعاني من أسوأ آثار تغير المناخ. فهم يحظون بمُجندين ومؤيدين من بين الأشخاص الذين أصبحت حياتهم وسبل عيشهم محفوفة بالمخاطر على نحو متزايد بسبب الفيضانات وموجات الجفاف.
وفي عالمنا المعولم والمترابط، يمكن أن تنتشر تداعيات التأثيرات المناخية المحلية بسرعة، من خلال أزمات سلاسل التوريد، والصراعات غير المباشرة، والهجرات الجماعية. وكما أظهر الغزو الروسي لأوكرانيا، فإن النظام القائم على القواعد هش بشكل مُقلق، مما يترك الناس العاديين يواجهون العواقب الوخيمة.
إن رفض الغرب للنفط والغاز الروسيين يخلق فرصة لتسريع الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري. ويمكن أن تساعد عوامل كفاءة الطاقة والتدابير الأخرى لخفض الطلب على أداء جزء من المهمة.
أما بالنسبة للباقي، تعد البدائل المُتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح منطقية من الناحية الاقتصادية، وهي أسرع وأكثر أمانًا في التركيب من المحطات النووية أو معظم بدائل الوقود الأحفوري التي تجري مناقشتها. كما أنها لا تعرض الناس للقفزات والانخفاضات الحادة في الأسعار في أسواق الوقود العالمية.
يظهر المنطق اتجاهًا واحدًا فقط. لن يحقق العالم أمنًا حقيقيًا للطاقة -ولن تتسنى له الفرصة لبناء مستقبل أكثر سلامًا وازدهارًا وبأسعار معقولة- إلا إذا قمنا بالتخلي عن الوقود الأحفوري.

*المؤلفون جميعهم أعضاء في لجنة الخبراء التي تقدم المشورة لمبادرة بيئة السلام في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock