أفكار ومواقف

“استثمار” في خطاب الكراهية!

خمس عشرة دقيقة قضاها المجرم الإرهابي في بث مباشر لجريمته البشعة وهو يوجه أسلحته الفتاكة إلى صدور أناس عزل اجتمعوا في بيوت الله لإقامة صلواتهم. خمس عشرة دقيقة من البث المباشر، ولم تلجأ إدارة “فيسبوك” إلى التدخل لإعفاء الناس من هذه المشاهد المروعة، أو من أجل قطع الطريق أمام المجرم ليكون بطلا وأنموذجا لآخرين يعانون من أمراض الكراهية نفسها!
في النهاية، اضطر الجميع إلى أن يختبروا كل هذا الألم والكراهية اللامتناهية التي تفجرت في داخل المجرم الأسترالي وهو ينفذ جريمته البشعة ممتلئا بكل العنفوان القومي الذي عبر عنه سابقا، ونقلته وسائل إعلام عديدة، وهو ما وجد أصداء جيدة لدى شريحة لا بأس بها من الجمهور الغربي الذي أثرت فيه الدعايات التي يطلقها اليمين المتطرف حول مخاطر الهجرات والتغيرات الديمغرافية التي يحدثها اللاجئون والمغتربون، فأدلوا بدلوهم “مباركين” ما اعتبروه عملا بطوليا، حتى وصل الأمر في بعضهم للمطالبة باستحقاق نيله وساما عن جريمته هذه!
الملاحظ جيدا في هذه المجزرة أن الفاعل لم يكن مجرد إرهابي آخر عنّ على باله تنفيذ جريمة أخرى، بل لقد كان يعي تماما ما يفعله، فقد استدعى التاريخ كله خلال تنفيذ جريمته وأخذ وقته الكافي في التخطيط، وصولا إلى إجرائه بحوثا حول الصراع بين الشرق والغرب، وأهم المعارك التي دارت بين الطرفين، بحسب ما نقلت وسائل إعلام، خصوصا التواريخ والكلمات التي كتبها على الأسلحة التي نفذ بها جريمته، موردا تواريخ حصار الحملة الصليبية الثالثة لعكا، معاهدة خوتين، معركة ليبانت البحرية بين الدولة العثمانية والتحالف الأوروبي، وصولا إلى معركة تولوز في عهد الأمويين. كما لم ينس تمجيد مجرمين آخرين نفذوا عمليات إرهابية ضد مساجد.
ما الذي تخبرنا به هذه المجزرة وما تبين فيها من شخصية الإرهابي؟
ببساطة شديدة، تكشف هذه العملية الإرهابية عن أن المتطرفين والشعبويين والعنصريين واليمين المتطرف، من الطرفين، استطاعوا أن يكسبوا هذه الجولة، وهم بسلوكهم وخطابهم نجحوا في جعل الخوف متبادلا، وأن يصبح خطاب الكراهية خطابا مقبولا تحت ذرائع التهديد الثقافي والاجتماعي، وصولا إلى تهديد الوجود الفعلي، وهي أفكار يغذيها سياسيون ومفكرون وناشطون، يسعون إلى تحقيق مكاسب آنية، غير عابئين بما قد يؤسس له خطابهم من نزاعات وجرائم وعدم استقرار عالمي.
نثق بأن نيوزلندا المكلومة والمصدومة اليوم سوف تتعامل، قضائيا، بحزم مع هذه المجزرة البشعة، ولكن الأمر المهم هو كيف نجعل من الجريمة موضوع دراسة لقطع الطريق على أحداث أليمة أخرى، خصوصا بعدما تأكدنا أن “الذئاب المنفردة” هي ظاهرة عالمية يمكن أن توجد داخل أي شعب أو أمة أو دين، مثلما تأكدنا أن خطاب الكراهية الذي “تستثمر” به مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن يكون قنابل موقوتة تنفجر في أي لحظة!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock