أفكار ومواقف

“استثنائية” الموسوي!

 “مجتمعاتنا مخطوفة إلى حيث التشدد، ولا أحد يريد أن يمنحك أذنه، مئات السنين مرت على هذه الأمة والنفخ في أذنها هو ذات النفخ، حتى تراكم الكولسترول الفكري وجمد الاسمنت الايديولوجي على العقول”.


“الحل بعدة أمور، لكني هنا أبدأ بالحل الأهم، وهو إعادة صياغة عقول مشايخ الدين. من نستطيع تغيير عقولهم نغيرها وإلاّ نبدأ بالصغار، وعبر مناهج تأسيسية تعمل على إزالة التسوس والتكلس المتراكم على لثة كتب التدريس آملاً في ظهور ضرس العقل ذات يوم. لا بد من فتح علماء الدين على الحياة والثقافة والفنون وعلى الأمم والشعوب وأهم الاختراعات. الحكومات لا بد أن تفرض على المدارس مواد لتدريس الموسيقى والرسم والفنون واللغات الأجنبية”.


“والتدين العملي يتمثل بترسيخ حقوق الإنسان ومبدأ تكافؤ الفرص. ومن الأمور التي أضاعت جزءاً كبيراً من المسلمين هو إقحام الدين الإسلامي في السلطة بطريقة تعسفية تحمل نكهات حزبية شخصانية.. الإسلام إسلام إنساني يدعو إلى الأممية الإنسانية وليس المذهبية..”.


“المواطن الغربي يختلف على أداء السياسة في بلاده، لكنه لا يقوم بتفخيخها إلا ما ندر. لست غربياً لكن دعونا نقرأ الغرب بطريقة منصفة، فالغرب خطوط وتوجهات وحكومات وشعوب وقضايا متداخلة فيه الإيجابي والسلبي. اليابان مازال يحتفظ بنكهته الآسيوية، وهو لم يولد في قارورة عطر غربية، لكنه أخذ من الغرب أجمل ما فيه..”.


” نحن في الخليج يجب أن ندعم أوطاننا، ونعزز الجبهة الوطنية الداخلية، وألا نكرر الأخطاء السياسية السابقة بسبب التأثر الأيديولوجي. أمن الخليج أمن المواطنين، والحفاظ على الوطن من الفتن الطائفية والمؤثرات الإقليمية واجب وطني”.


***


هذه بعضٌ من نصوص رجل الدين الشيعي البحريني ضياء الموسوي، الذي يكتب في صحيفة الراية القطرية ويعيد موقع “العربية نت”، عادة، نشر مقالاته، التي تحظى بجدل واسع وكبير؛ إذ تقدم خطاباً دينياً استثنائياً، بمعنى الكلمة، مختلفاً عن الخطاب السائد في مختلف الدول العربية، مع قدر كبير من البلاغة والبيان والثقافة، ما يساعد الموسوي على إحداث الصدمة الفكرية والنفسية – التي يعترف أنه يسعى إليها- في روع القارئ العربي فتستفزه إلى التفكير ملياً في “المسلَّمات” الدينية والفقهية التي تربى أنها هي الدين، بينما يصر الموسوي أنها تفسير قاصر مشوه مختزل للإسلام!


في النصوص السابقة غيض من فيض خطاب الموسوي الذي يتضمن قراءة دينية مختلفة تقوم على أسس جديدة تتمثل بـ: نقد الذات والدعوة إلى الإصلاح الديني بدءاً من رجال الدين ورفض تضخم الجانب السياسي والحزبوي للحركات والجماعات الإسلامية على حساب المضمون الحقيقي للإسلام بقيمه وأخلاقة وجوانبه الحضارية والجمالية، ونظرة جديدة مختلفة إيجابية للحضارة الغربية، ورؤية مختلفة للحياة والآخرة..إلخ.


خطاب الموسوي، أيضاً، يقطع بالكلية مع الخطاب الإسلامي السائد، على الرغم أنه -في الأصل- ابن الحركة الإسلامية الشيعية في البحرين، فهو يطالب الشباب المتدين بالاعتدال في التدين والإقبال على الحياة والأدب والفنون والموسيقى والاقتصاد، ويركز على أهمية الجانب الجمالي في الحياة، ويرفض أساليب وأدوات التنشئة الدينية والحزبية (الإسلامية) في العالم العربي التي تُربّي الشباب على أنّ الدين عبارة عن زقاق وسجن ما أدى إلى أن تصبح الدنيا “عقدة” بدلاً أن تكون مجالاً خصباً للتنمية والإعمار.


يشطح الموسوي متحدياً في التأكيد على حقوق المرأة وتعليمها والاهتمام بها وإنصافها، بل ويقود الحملة الانتخابية لزوجته، فاطمة علي، (التي لا تغطي وجهها) مثيراً سخط “المشايخ”. ولا يتردد بدعوة الشيعة إلى الاندماج الكامل في أوطانهم، مع الاعتراف بطائفتهم، ويؤكد أنّ على الشيعة الاصطفاف مع أوطانهم في حال وقعت مواجهة بين إيران والإدارة الأميركية وعدم الانجرار وراء الأيديولوجيا، متجاوزاً طائفته إلى انتمائه الديني الوطني العام، مؤكداً على قيم المواطنة وحقوق الإنسان والحريات العامة كأسس يجب أن يركز عليها الخطاب الديني.


من الواضح تماماً أنّ الموسوي متأثر بالمدرسة الإصلاحية الأولى (جمال الدين الأفغاني، محمد عبده..) في تأكيدها على الإصلاح والتجديد الديني واستلهام نموذج مارتن لوثر، ومتأثر – كذلك- بمالك بن نبي بتأكيده على أهمية النهضة الثقافية وقيم الجمال والوقت والمعرفة، وبالمفكر الراحل علي شريعتي بلغته الثورية (الدينية- السياسية)، ومحمد خاتمي في حديثه عن إصلاح الفكر الإسلامي وأولية التنمية والتمدين، وبرجل الدين الشيعي اللبناني محمد مهدي شمس الدين بمطالبته الشيعة العرب بالاندماج في أوطانهم.


الملفت في خطاب الموسوي أنه في الوقت الذي يتجاوز خطاب المدارس الفكرية الإسلامية فإنه يتفوق بصورة قاطعة على خطاب “الدعاة الجدد” الذين لا يزالون يقدمون الخطاب الإسلامي- التراثي والتقليدي في قالب من الحداثة اللغوية أو الإعلامية، بينما ينفل الموسوي الخطاب الديني ويحدث ثورة في المعنى لا في الصورة فقط.


هذا الرجل يستحق المتابعة والاهتمام من الجميع، سواء الحركات الإسلامية أم النخب المثقفة أم الشباب الصاعد، لكن الأهم من ذلك الحكومات العربية التي تلجأ في مواجهة الخطاب الإسلامي “السياسوي” إلى توظيف خطاب سلفي “سلطوي” يتخذ موقفاً صارماً من التجديد والاجتهاد والإبداع ويؤكد على الأرضية الفكرية والمعرفية نفسها التي ينطلق منها خطاب التطرف والتكفير!


الموسوي يدفع إلى مناقشة أعمق وأجرأ لسياسات الوعظ والإرشاد في الأوساط الدينية في العالم العربي، الرسمي منها وغير الرسمي، ويذكرني بقصة فتاة مسيحية مبشّرة التقيت بها في أحد المراكز التطوعية، في الأردن، وهي قادمة من دول الشمال الأوروبي، وتقوم على الاهتمام بالصم والبكم، وكانت معنية في أغلب أيامها برضيع، لا يتجاوز السنتين، لا يسمع لا يرى لا يتكلم، تقوم على رعايته وتعليمه والعناية به، بينما نرمي نحن بشبابنا المتدين زرفاناً إلى المحارق، ولا نتقن تعليمهم سوى ثقافة الموت، على حد تعبير الموسوي!


[email protected]

انتخابات 2020
16 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock