أفكار ومواقفرأي اقتصادي

استراتيجية رقمية لمستقبل التكنولوجيا المالية “Fintech”

يقف العالم أمام مجموعة من التحديات فرضها التطور الرقمي المتسارع في مجالات عدة منها المال والاقتصاد بشكل عام ومن ضمنها قطاع الصناعة المصرفية الإسلامية، بحيث يتوجب علينا إيجاد حالة من التوازن بين متطلبات الثورة الرقمية ورسالة مصارفنا الإسلامية الملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية في أبعادها الثلاثة؛ “الديني والأخلاقي والإنساني”، وبما يمثله من تكيف واستجابة لكل مستجدات الحياة.
ومما لاشك فيه أن انتهاج المصارف الإسلامية لخيار التكنولوجيا المالية “الفنتيك” أو التكنولوجيا الرقمية سيسهم وبكل تأكيد باتساع قاعدة هذه المصارف من العملاء، وزيادة حصتها في الأسواق المالية سواء المحلية أو العالمية، وهذا ما هو ملموس من التوجهات الجادة والنشاطات التي نتابعها بدون كلل من قبل العديد من المؤسسات المالية والمصرفية الإسلامية بهذا الاتجاه والسعي لتبسيط إبرام وتنفيذ عقود التمويل وصيغها الملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية وفلسفتها المالية ومن خلال استخدام تقنية الـبلوكتشين، بعد أن أصبحت هذه التقنية بمثابة ثورة تكنولوجية عمادها الابتكار التقني والتحول الرقمي كما ذكرنا باتجاه القطاعات الاقتصادية كافة، بحيث أصبح معه قطاع “التكنولوجيا المالية” واقعا ملموسا وفاعلا في المؤسسات المالية والمصرفية وكذلك في الأسواق المالية، في الوقت الذي أصبحت فيه هذه الصناعة غنية بالمفاهيم الاقتصادية المستوحاة من الفلسفة المالية الإسلامية.
فمع هذا الواقع، فإننا بحاجة الى رؤية تواكب هذا التطور ملتزمة بأحكام شريعتنا الإسلامية وتطرح قضايا وتحديات الصناعة المصرفية الإسلامية بكل جرأة لدرء المخاطر المحتملة سواء من التعامل مع هذا التطور التكنولوجي الهائل أو التريث في اتباعه، ويتوجب علينا أن لا ننتظر لحين اتساع الفجوة الرقمية بين صناعتنا المصرفية الإسلامية والصناعة المصرفية التقليدية مع إقرارنا بفارق العمر الزمني لكليهما.
وهنا نُذكر بالدور والمسؤولية المهنية والأخلاقية للبنوك المركزية بأن تسارع في إعادة صياغة للعلاقة مع المصارف الإسلامية بما يتناسب مع التطور الذي نراه في التكنولوجيا المالية، وبالتالي العمل على إدماج المؤسسات المالية والمصرفية كافة في هذا التطور التكنولوجي من خلال إعادة صياغة للقوانين والتشريعات المصرفية التي تحكم العلاقة بينهما وبما يحافظ على الدور الرقابي لها أي “البنوك المركزية”، بحيث تتماشى أدوات الرقابة مع التطور الحاصل في العمليات المصرفية الإلكترونية، والاستعداد لما قد ينشأ عنها من مخاطر، كذلك الاستعداد لإدارة المخاطر كافة التي قد تنشأ عن استخدام هذه التكنولوجيا، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية المصارف الإسلامية.
وقد نتفاجأ ببعض التحديات التي قد ترافق عملية الانتقال الى التكنولوجيا المالية هي تلك المتمثلة في العنصر البشري ومستوى الكفاءة التي يعمل بها، فيتوجب إعداده مبكرا لنتمكن من مجاراة هذا التطور والتكيف معه بحيث نكون قادرين على التعامل مع الابتكارات الحديثة في بيئة تشتد فيها المنافسة، وقد ينعكس ذلك سلبا على ربحية المصارف وكفائتها وبالتالي على حصتها السوقية.
إن التغييرات المتسارعة والتطور الذي نشهده في التكنولوجيا المالية لا بد وأن تترك آثارا واضحة على قطاع الصيرفة الإسلامية، مع ما نشهده كذلك من نمو وانتشار لها سريع، فمن خلالها يمكنها توظيف هذه التكنولوجيا للتعريف بمنتجاتها المالية وخدماتها المختلفة، وهذا يتطلب وضع استراتيجية رقمية واضحة لتحسين قدراتها والاستفادة من هذه التكنولوجيا وتتضمن الاستعداد للانتقال الى المرحلة الجديدة من التعامل مع الابتكارات الحديثة في التكنولوجيا المالية “الفنتك”، وخاصة العملات الرقمية والافتراضية والذكاء الاصطناعي.
كلامنا هذا يتوافق مع ما قالته وكالة ستاندرد أند بورز بأن “التكنولوجيا المالية Fintech تفتح المجال أمام إمكانية استفادة صناعة التمويل الإسلامي من تعزيز خدمات عملائها وقدرتها التنافسية مقارنة مع المُقرضين التقليديين؛ حيث توفر هذه التقنية معاملات أسهل وأسرع في خدمات الدفع والتحويلات المالية، وتخفيض التكاليف”.

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock