قضايا

استشارة قانونية حول “الدين العام يقترب من 22 مليار دينار”

طارق الحجيري*

في كل صباح، أبدأ يومي كمغترب يعيش خارج بلده الحبيب الأردن، بقراءة الصحف اليومية الإلكترونية، لمعرفة ما يحدث، والبقاء على تواصل مع أخبار الدار، وتخفيف وطأة الغربة والبعد عن الأهل والأحبة.
للأسف، وكما نقول بالعامية، فإن أخبار بعضها “بيكئب” و”بينتزع نهاري” فيبدأ كئيباً. والبعض الآخر مفرح برؤية همة الشباب الواعد الأردني. إلا أنه في الفترة الأخيرة، بتنا نقرأ كثيراً عبارات محزنة، كارتفاع الدين العام، أو مظاهرات طلابية، أو ضرب معلم أو طبيب، وغيرها من الأمور الغريبة عن مجتمعنا الأردني الحبيب. ومثلا، نشر قل أيام خبر عن ارتفاع صافي الدين العام في سبعة أشهر فقط بنسبة 5.3 %، مقارنة مع مستواه نهاية العام الماضي، وليشكل الدين وفقاً لبيانات وزارة المالية قرابة 80 % من الناتج المحلي الإجمالي.
ماذا يعني ذلك للمواطن العادي مثلي؟
لست اقتصادياً. لكن معلوماتي الاقتصادية التي اكتسبتها بالخبرة تجعلني لا أنام، وإن نمت أحلم بالكوابيس بسبب ذلك. كيف لا وأنا أرى بلدي الحبيب يعاني من مشاكل في معظمها من صنع أيدينا! نعم، ما ارتفع صافي الدين العام إلا وكانت عواقبه وخيمة. صحيح أن معظم هذا الدين هو دين داخلي، ما يعني أن مشكلتنا ملفوفة و”مضبوبة” بين الحيطان، بالمقارنة مع بعض الدول الأخرى، فيما لو كان كل الدين خارجيا. لكن دعونا لا ننسى أن ارتفاع الدين داخلياً يؤثر بشكل سلبي على تداول النقد وتوافر السيولة النقدية، وبالتالي حركة النهضة والتطور ومكافحة البطالة.
إن المشكلة في الأردن ليست في ارتفاع الدين العام، وإنما في عدم زيادة الناتج المحلي الإجمالي للدولة، وتطوره ليصبح بالقدر الذي ينبغي أن يكون عليه. إن مديونية الدولة الحبيبة التي تراكمت على مر السنين بسبب المصاعب الإقليمية التي مرت وتمر بها؛ سواء السياسة أو الاقتصادية، ستبقى تحدياً لنا ينبغي ألا نتجاهله. لكن المطلع على عالم الأعمال وليس بالبعيد، يعرف أن هذه المديونية لا تزيد وقد تتساوى مع ديون إحدى الشركات العقارية في المنطقة التي تعرضت لها أثناء الأزمة المالية العالمية العام 2008، إلا أنها استطاعت تجاوزها بحكمة وإيجابية، وتصميم فريق العمل الواحد.
إذن، نستطيع القول: نعم، لدينا تحد وليس مشكلة. فالمشكلة هي المعضلة التي لا يوجد لها حل؛ أما التحدي فهو أمر طبيعي لولاه لا يكون للنجاح طعم، فهي المصاعب التي ينبغي أن نتحد لمواجهتها والعمل كفريق واحد تحت قيادة واحدة لإيجاد الحل لها.
التحديات مستمرة. والقارئ لمسلسل التحديات الإقليمية يعلم أننا سنواجه تحديات عديدة أخرى سياسية واقتصادية. فاللجوء والأزمة المالية العالمية وحرب العملات وانخفاض سعر البترول وغيرها، مسلسل لا ينتهي، ويخلق لنا وللدول المجاورة تحديات اقتصادية أخرى. وها نحن نشهد انخفاضاً كبيراً في أسعار النفط العالمية، الذي وإن كان مؤشراً إيجابياً لنا، إلا أنه قد يشكل تحدياً اقتصادياً للدول الشقيقة والصديقة الداعمة لنا.
إذن، لا بد لنا من أن نقوم بنهضة شبيهة بثورة، ولكن ثورة من نوع آخر؛ ثورة بناء وعمل وعمران، وإيجابية وتفاؤل؛ ثورة نهضة تزيد الإنتاجية والناتج العام المحلي، لجعل المديونية تتضاءل بالنسبة لحجم الإنتاجية. إن زيادة الإنفاق العام ستستمر، والمسؤوليات ستزيد.
نعم، لقد استطاعت دول عديدة أن تنهض وتصنع المستحيل. ها هي ماليزيا وسنغافورة، وها هي دبي. ولا بد لنا من إعادة برمجة فكر أردني إيجابي وردي منتج، ننقلب به على البيروقراطية والمحسوبية والسلبية والنقد غير البنّاء؛ وعلى قلة العمل؛ والإساءة للمعلمين الذين صدق الشاعر عندما قال فيهم “قم للمعلم وفه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا”؛ ننقلب على الإساءة للأطباء؛ وعلى العنف الجامعي؛ وضعف التخطيط لترويج السياحة وجعلها أهم عنصر ومورد للدخل القومي؛ ننقلب على اغتيال الشخصية وهدم المنجزات الوطنية؛ والغش وسوء النية؛ ننقلب على المفهوم الخاطئ للحرية بأنها السب والشتم واتهام الآخرين، وعلى عدم استغلال الثروة الزراعية وإفقار المزارع. كما ننقلب على ضعف صناعات محلية ورداءتها؛ وننقلب على هدر الطاقة البشرية والموارد المالية والطبيعية.
علينا تجاهل الفكر القديم بأن الحكومة هي المحرك الرئيس في الاقتصاد وموزع للثروة الوطنية، وجعل دورها ينحصر في خلق ظروف وبيئة عمل محفزة لتطوير القطاع الخاص من خلال التشريعات المحفزة، فننقلب على فكرة انتظار الوظيفة وتشجيع بناء جيل من رواد الأعمال.
يجب أن نفهم معنى التنافسية العالمية، ودور الشباب في ريادة الأعمال والإنتاج والابتكار. يجب أن يتم تطبيق آلية بيع الأرض بدلاً من تأجيرها أو زراعتها، والإبقاء عليها عبر الوسائل الحديثة للاستثمار والخصخصة. ويجب أن ندرب الموظفين طاردي الاستثمار الأجنبي ونقل المعرفة ليصبحوا عناصر جاذبة للاستثمار. ويجب أن نطورالتشريعات الاقتصادية المهترئة.
كما يجب تحفيز دور الشركات الصغيرة والمتوسطة في زيادة التنمية الاقتصادية وفكر الابتكار. وأن نحارب إضعاف التعليم، ونتذكر أن الأردن كان ويجب أن يبقى أفضل المنابر والصروح العلمية في العالم. وبالتالي، تحفيز الجامعات على الإبداع والابتكار وتطوير المناهج، لتحفيز أساليب البحث والتطوير العلمي ليصبح القطاع العلمي أهم عنصر من عناصر دعم التنافسية للمملكة.
وننهض بالناتج المحلي من السياحة. كيف لا ونحن بلد البترا والعنقاء والبحر الميت! نحن نهر الأردن الذي تعمد به سيدنا المسيح عليه السلام، وحمامات ماعين. نحن عاصمة الثقافة والفنون ذات الفصول الأربعة. ونقدر أهمية الثروة الزراعية والحيوانية لتأخذ دورها في التنمية الاقتصادية.
ونرفض من يتجرأ على الإضرار بالقطاع الصحي وعدم جعل السياحة العلاجية من أهم القطاعات التنافسية في العالم. كيف لا ونحن لدينا أهم الصروح الطبية العظيمة في العالم؛ مركز الحسين والمدينة الطبية وغيرهما. ولدينا أكثر الأطباء مهارة في العالم.
ويجب أن ننهض ونطور ونحفز استغلال المساحات في معان والمفرق والعقبة، وجعلها أهم عنصر من عناصر الخدمات اللوجستية في المنطقة، ولاسيما ونحن الرابط ما بين الشرق والغرب. وكذلك إنشاء مناطق حرة وجذب كبار الشركات العالمية لإنشاء مناطق خدمية ومخازن تؤهل تنمية المناطق وتأهيلها لتوزيع العمالة الوطنية.
نرفض من يقولون إن الأردن ليس مؤهلاً ليكون مركزاً مالياً إقليمياً. ولم لا يتم إنشاء مركز مالي في منطقة العبدلي وجعلها منطقة حرة مالية تستقطب كبرى الشركات العالمية المالية؟
ولماذا لا يصبح الأردن “سيليكون فالي” الشرق الأوسط؟ وننهض بدور قطاع النقل والطيران وفتح الشراكة بين القطاعين الخاص والعام للاستفادة من خط الحجاز القديم وإنشاء خط نقل حديث يربط بين مدن المملكة. فالنهضة لا تتم إلا من خلال البنية التحتية في الدولة. ولم لا نحفز دور المطارات الثلاث في ماركا وعمان والعقبة، وإنشاء مطار آخر في الشمال؟
والأردن مؤهل لأن يعتمد على الطاقة البديلة لا بل وتصيرها أيضاً. والتركيز على الصناعات الخفيفة التي نستطيع أن ننافس بها من دون تحميل الصانع أو الدولة عبء تكلفة الوقود الباهظة.
ما هو المطلوب إذن؟
أن نسير وراء رؤية قائد البلاد جلالة الملك المفدى عبدالله الثاني ابن الحسين رعاه الله، فنبني ونعمل باخلاص، ونتخلص من مفاهيمنا الخاطئة، ونقوم بتطبيق استراتيجية تنافسية اقتصادية اجتماعية تشريعية تنموية تقوم على مبدأ “أحب بلدك” تُميز الأردن إقليمياً وتنهض به عالمياً ليأخذ المكانة التي يستحقها، وتصبح المديونية التي تشكل الآن 80 % من الناتج المحلي الإجمالي لا تزيد على 20 % بزيادة نسبة الإنتاجية.
إن أي زيادة في الانتاجية تنعكس اقتصادياً مباشرة على المواطن الأردني، وتنعكس إيجابياً على الأجيال القادمة. وكفانا تعطيلا للمهارات والقدرات وإلقاء اللوم على الآخرين. ويجب أن يتم تطوير برامج قيادات لإنشاء شباب واعد بمهارات عالية وفكر إيجابي ويتم الربط بين كافة مخرجات التعليم والسوقين المحلية والدولية؛ تعليم يعزز ثقافة ريادة الأعمال وليس التحفيز على إيجاد وظائف. نتوكل على الله ونعمل بروح الفريق الواحد.

*مستشار سياسات استراتيجية وقانونية

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock