أفكار ومواقف

استعادة الدور الاقتصادي للدولة

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات، تسارعت وتيرة العولمة والتحول للقطاع الخاص وتصاعد الهجوم الشرس على دور الدولة في الاقتصاد باعتبار أن هذا النموذج قد هزم هزيمة تاريخية على أيدي الليبرالية الاقتصادية الجديدة. الأردن الذي كان اقتصاده مختلطا لم يكن استثناءً، فقد بدأت عملية التحول إلى الليبرالية الاقتصادية في بداية التسعينيات واستمرت حتى يومنا هذا. لقد قاد هذه العملية عالميًا المؤسسات أذرع النظام العالمي الرأسمالي كصندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات الدولية. أردنيا، قاد عملية التحول للقطاع الخاص مجموعة من الاقتصاديين الليبراليين الجدد الذين وعدونا سمنا وعسلا.
الفكره الرئيسة لليبرالية الجديدة هي أن تدخل الدولة في الاقتصاد يؤدي إلى تشوهه وبالتالي على الدولة أن تتخلى كليًا وما عليها سوى تهيئة الظروف للقطاع الخاص لأنه الوحيد القادر على النهوض بالاقتصاد وتوليد العمالة وإحداث التنمية الاقتصادية.
حصيلة هذه السياسة كانت انسحاب الدولة تدريجيًا ولكن بشكل شبه كامل من العملية الاقتصادية، لذا باعت الدولة حصتها في أغلب الشركات العامة لشركات أغلبها أجنبية، ألغت التخطيط الاقتصادي الاجتماعي، ورفعت الدعم عن السلع الأساسية وتحديد الأسعار ومراقبتها.
لقد طبقت الأردن كل برامج صندوق النقد الدولي وبشهادات الصندوق نفسه لكن دون أن تتحقق أي من الأهداف التي حددها الصندوق نفسه مع الحكومة الأردنية. منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما لم يحقق الاقتصاد الأردني نموًا اقتصاديًا يذكر، بالمقابل ازدادت نسب الفقر والبطالة لمستويات غير مسبوقة وتراجعت مستويات المعيشة للطبقة الوسطى وعامة الأردنيين. كذلك، ازدادت المديونية بشكل كبير وارتفع العجز بالميزان التجاري بالإضافة للعجز المزمن بالميزانية وازداد اعتماد الأردن على المساعدات الخارجية وتفشي الفساد بكافة أشكاله ودخل الاقتصاد الأردني في أزمة اقتصادية متعددة الأبعاد. السياسة الاقتصادية المتبعة لم تستطع أن تتعامل مع التحديات الاقتصادية المتراكمة وبالتالي أصبحنا بحاجة لمقاربة اقتصادية جديدة ونحن ندخل في المئوية الثانية للدولة الأردنية.
هذه المقاربة يجب أن تبنى على إعادة تعريف لدور الدولة الاقتصادي. ليس المطلوب أن نعيد عقارب الساعة للوراء بل إعادة الاعتبار لدور الدولة في الإدارة الاستراتيجية للاقتصاد الأردني وذلك من خلال أولًا، اللجوء للتخطيط الاقتصادي المرن الذي يهدف إلى تحديد تجاه وجدية الاقتصاد الأردني وأولوياته. وثانيًا، تحديد الميزة التنافسية للاقتصاد الأردني للعشرين سنة المقبلة. ثالثًا، التركيز على الأمن الاقتصادي الوطني وخاصة الأمن الغذائي، والمائي وأمن الطاقة. ورابعًا، تحديد القطاعات الاقتصادية الواعدة وتوفير الشروط والظروف المناسبة للاستثمار بها من قبل القطاع الخاص ضمن حزمة من الحوافز، وأخيرًا، وضع خطة للنهوض بالتعليم الجامعي والبحث العلمي لجعله محركًا للنمو والتنمية الاقتصادية.
النجاح الاقتصادي المبهر للنموذج الصيني الذي تبنى المبادئ الاقتصادية للرأسمالية مع المحافظة على الدور التوجيهي والضابط والمستثمر في البنية التحتية تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن لا تنمية ونمو وخاصة دون دور راشد وفعال في العملية الاقتصادية. حتى الولايات المتحدة لجأت مؤخرًا للاستعارة من النموذج الصيني وهنا الحديث عن دور الدولة وقامت بوضع خطة وإنشاء صناديق استثمارية لدعم الاقتصاد الأميركي بمواجهة الصين. كوريا الجنوبية، اليابان، الصين وغيرها من الدول لم تستطع أن تنجح دون دور فاعل ونشط في الاقتصاد. ليس المطلوب الانقلاب على اقتصاد السوق، بل بالعكس، نريد أن نمكن القطاع الخاص من لعب الدور الأساس في الاقتصاد، ولكن اقتصاد السوق وحده لن يكون قادرًا على فعل ذلك. إعادة الاعتبار للدور الاقتصادي للدولة في الأردن بداية الطريق لحل مشكلاتنا الاقتصادية والاجتماعية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock