أفكار ومواقف

استعادة المدن

اختطفت الدولة الحديثة المدن من أهلها، واليوم في عصر الشبكية والمجتمعات لم تعد الدولة قادرة على الاحتفاظ بالمدن منظمة ومنضبطة كما كانت من قبل، كما أنها في مركزتها للعواصم أفرغت المدن الأخرى من مواردها، .. هكذا تحولت البلاد إلى عاصمة عشوائية عملاقة ومدن وبلدات مهجورة أو خاوية من مواردها ومعناها، لم تعد سوى مكان إقامة أقل كلفة من العاصمة.
ليس سهلا أن تصدق الطبقات السياسية والاقتصادية المهيمنة أنه لم يعد بمقدورها تنظيم الناس والأعمال بالأدوات القائمة (صارت سابقة)، لم يعد مجديا إن ظل ممكنا تنظيم التعليم والأعمال والإعلام في مؤسسات منظمة ومنضبطة ومنمطة، وفي ذلك تتغير الأسواق والأعمال والمدارس والجامعات والنقابات والأحزاب والمؤسسات الإعلامية والمعابد تغيرا كبيرا، لن تكون (إذا بقيت) تشبه المؤسسات القائمة اليوم سواء في تنظيمها او غاياتها وأهدافها أو حتى هيئتها المادية ومبانيها، فالناس حين يتجمعون حول هاشتاغ أكثر من حزب سياسي، ويتعلمون من يوتيوب والشبكات والمواقع التعليمية أفضل من المدارس والجامعات، ويمكنهم العمل والتسويق من خلال الشبكة، ويحصلون على المعرفة والفتاوى والمهارات والأخبار والتحليلات أفضل من المؤسسات الإعلامية الإرشادية لن تظل هذه المؤسسات والسلطة بطبيعة الحال تعني لهم المعاني والغايات التي تشكلت حولها قرونا وعقودا من الزمن. السلطات والمؤسسات القائمة اليوم سوف تتحول إلى ملحق تابع للمدن والمجتمعات لغايات تنظيمية متبقية، وعلى نحو آخر فإن السلطات السياسية والدينية تعود إلى نشأتها الأولى وروايتها الأصلية، قبل أن تنمو وتتشكل في قلاع وهياكل وتحالفات نخبوية وتتحول إلى أداة هيمنة وتنظيم عملاقة، فالمدن والمجتمعات أصبح في مقدورها تنظيم نفسها واحتياجاتها وأولوياتها بنفسها وبتكاليف أقل بكثير من الضرائب التي تدفعها وبمستوى من الكفاءة والعدالة أفضل بكثير مما تقدمه المؤسسات القائمة والتي تحولت في الواقع إلى مؤسسات احتكار وهيمنة وإخضاع أكثر مما هي تعمل للغايات التي أنشئت لأجلها.
تحاول الأوليغاركيا اليوم أن تعيد إنشاء القلاع والهياكل على هيئة تقسيم اجتماعي جديد يقوم على قلة تعزل نفسها بل وتخرج من المجتمع لتحيط نفسها بمؤسسات ومرافق خاصة بها تحتكر فيها الموارد والمعرفة الجديدة، وتترك الأغلبية المهمشة في الربض المحيط بالقلعة مثل مورد احتياطي للخدمة والتسلية، وقد تتيح في لعبة أمل تشبه اليانصيب والقمار لبعضهم بالتسلل إلى القلعة حسب الحاجة وفي نظام إغلاق قاس واحتكاري، وتخضعها بأدوات قانونية وتنظيمية تمنعها من الاستفادة من الفرص المتاحة والممكنة بسبب التطور التقني، مثل الإلزام بالتعليم من خلال المدارس وفي الوقت نفسه لن يكون في مقدورهم التعلم تعليما كفؤا ومناسبا إلا في مدارس مكلفة جدا، وعدم القدرة على الحصول على الطاقة المتجددة إلا بعمليات تنظيمية لا معنى لها سوى إخضاع الناس وحرمانهم، وعدم القدرة على ممارسة الأعمال والمهن أو الحصول على التقنيات الجديدة (مثل الطابعات ثلاثية الأبعاد وأنظمة القيادة والتوجيه الذاتية) إلا بموافقات قانونية ستكون بطبيعة الحال انتقائية ومصممة للحرمان أكثر مما هي تنظيمية بالفعل، ومحاولات السيطرة على الانترنت وشبكات التواصل ومواقع الانترنت وإخضاعها وتنظيمها وفق أهداف ومصالح أوليغاركية، وتحصيل الضرائب وتشريعها على النحو الذي يثقل كاهل أغلبية الناس ويريح القلة المهيمنة.. لكنه ليس سوى لعب في الوقت الضائع!

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock