أفكار ومواقف

استعادة ثقة المواطن

عادة ما تحتوي كتب التكليف السامية على إشارات واضحة تفيد بضرورة اكتساب ثقة المواطن الأردني بالحكومة، وتأتي هذه الإشارات على خلفية قراءة رسمية ترصد تراجع ثقة المواطن الأردني بمؤسسة الحكومة وبخاصة في العقد الأخير. نظريا، لا يمكن لأي حكومة أن تتخذ إجراءات اقتصادية دون أن يطالها وابل من سهام النقد. فالإجماع أمر غير وارد في أي قضية لأن التماثل فقط في الموت وفي الحياة اختلاف، عبارة قالها مهدي عامل. والثقة بالحكومة لا يعني الموافقة على كل ما تقوم به، لكنها تمنح الشرعية الشعبية المطلوبة حتى على القرارات الخاطئة.
أسوق ذلك وأنا أراقب أداء حكومة الدكتور عمر الرزاز في التصدي لتفشي وباء فيروس كورونا. فالثقة الشعبية بحكومة الرزاز كانت في أقل مستوياتها قبيل تفشي الوباء، وهذا الحكم لا يعبر عن موقف سياسي ضد الحكومة بقدر ما يعكس قراءة ما بين السطور في الاستطلاعات العلمية التي تجريها حتى مراكز شبه رسمية مثل مركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية. فبعد أن كان مستوى التفاؤل بحكومة الرزاز مرتفعا عند تشكيل الحكومة تراجع هذا التفاؤل ليصل إلى أقل مستوى لأي حكومة منذ العام 1996
لم تجد كل التعديلات الوزارية نفعاً في استعادة ثقة المواطن الأردني، طبعا هناك الكثير ما يمكن الإشارة اليه عند الحديث عن التعديلات الوزارية لكن ليس هذا مجاله الآن. لكن جائحة كورونا وحدت المجتمع الأردني خلف المؤسسات جميعها بما فيها الحكومة التي استعادت ثقة المواطن الأردني في الاجراءات التي تقوم بها على الرغم من وجود ملاحظة هنا وأخرى هناك. وعلى نحو لافت شكل دخول الجيش الأردني على خط إدارة التصدي لهذا الوباء نقطة التحول، فالأردنيون يثقون بالجيش ثقة مطلقة، والحق أن المواطن الأردني يشعر بالتفاؤل عندما يشاهد القوات المسلحة تصنع الفرق في إدارة الأزمة.
ليس المطلوب حكوميا الشعور بالتراخي على اعتبار أن الحكومة تمكنت من استعادة ثقة المواطن الأردني، وحتى أكون واضحا هناك انطباع شعبي واسع بأن بعض الوزراء كانوا عبئا، وساهم ظهورهم في تعكير المزاج العام لفوقية بعضهم ولفشل بعضهم في يوم توزيع الخبز. وعليه، لا ضير أن يقوم رئيس الوزراء بإصلاح الوضع واجراء التعديلات المناسبة ليحافظ على زخم الثقة الشعبية وبخاصة وأننا مقبلون على قرارات اقتصادية قد تكون صعبة وسيطلب من المواطن تحمل تبعاتها. وعلى مطبخ القرار الرسمي أن يفكر مليّا في البناء على الثقة الشعبية والأخذ بالحسبان أهمية العنصر البشري، فالوزيران أمجد العضايلة وسعد جابر تمكنا من اكتساب العقول والقلوب بأداء رزين ومتوازن بعيد عن الاستعراض ما قربهما إلى الوجدان الشعبي إذ بدأ الأردنيون يتقبلون كل ما يقولون. المسألة لا تتعلق فقط بالإمكانات وإنما بالثقة بمن يقود، والبريطانيون انتصروا على ألمانيا النازية لثقتهم المطلقة بإدارة تشرتشل وحكمته وشجاعته.
أتمنى على رئيس الوزراء أن يستفيد من الزخم الشعبي الحالي، وهو زخم مرشح للتلاشي إذ لم يتمكن من البناء عليه واتخاذ ما يلزم من قرارات تخفف على المواطن الغلبان. صحيح أن الوضع في غاية الصعوبة بعد أن تراجعت إيرادات الحكومة بشكل كبير وغير متوقع عند وضع الموازنة وإقرارها، لكن الصحيح أيضا أن الأردنيين يتقبلون التعايش مع الوضع الصعب إن كانت هناك ثقة بالحكومة، ولنا أن نأخذ حكومة المرحوم الأمير زيد بن شاكر ومضر بدران وطاهر المصري في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات. فبفضل الثقة الشعبية بهذه الشخصيات وخياراتها في التوزير والسياسة خرج الأردن من عنق الزجاجة. عندما يشير جلالة الملك إلى أهمية استعادة ثقة المواطن هو يعرف أن الخروج من المأزق لا يتم إلا بالاستناد على قدرة الشعب على التحمل.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock