أفكار ومواقف

استعادة فلسطين..!

استعاد الفصل الراهن من المقاومة الفلسطينية الباسلة إلى الخطاب المتداول فكرة لم تغب أبداً عن عقول وقلوب الفلسطينيين والعرب وأنصار الحق والعدالة في العالم: فلسطين هي فلسطين، من البحر إلى النهر. والفلسطينيون يريدون فلسطين بتعريفها كما هي. وقد حيّدت بسالة الفلسطينيين، وتجلي الوحدة الطبيعية بين كل الفلسطينيين في الفعل والموقف، أيّ تردد ربما كان في الإعلان عن التطلّع المحقّ إلى هزيمة المشروع الاستعماري-الاستيطاني الصهيوني غير الأخلاقي جملة وتفصيلاً. فبعد كل شيء، قام هذا المشروع من العدم على أساس إيداع شعب حي وتاريخي في العدم.
كان التخلي الفلسطيني والعربي عن المطالبة بفلسطين التاريخية خطأ استراتيجياً قوض العمل التكتيكي نفسه. فالأصل في المطالبات هو الإصرار على استعادة كل الحق، حتى يمكن استعادة أكبر قدر من الحق، مرحلياً. لكن تطامُن المطالب باستمرار يخفف عبء المطالبة عن كاهل العدو فقط. وتعرض الخريطة المتداولة المسماة، «فلسطين المتلاشية»، فداحة الاختزال غير الأخلاقي لتعريف فلسطين ومساحتها، حتى أصبحت نُقطاً متباعدة ليس لها شكل ولا استعمال ولا مساحة ولا معنى.
التخلي عن فلسطين التاريخية خطأ أخلاقي فادح. سَل أي فلسطيني يقع بيته وحصته من فلسطين في فلسطين التي احتُلت أولاً في 1948، وسيقول لك أنه لم يفكر مطلقاً في التخلي عن حقه في استعادة قريته وبلدته والعودة إليهما. ولكن، حسب الترتيبات الحالية، الأسوأ حتى من «أوسلو» السيئة بما يكفي، فإن 70 في المائة تقريباً من الفلسطينيين، في المنفى وتحت الاحتلال في الداخل الفلسطيني، سيصبحون إلى الأبد بلا وطن ولا حُرية. وإذا فكرنا لحظة فقط في ما يجري، فإن ما يقترحه حتى الرئيس الفلسطيني هو الموافقة على تطهير عرقي أبدي لكل أصحاب فلسطين التاريخية، الذين سيُبعدون نهائياً من فلسطين بإفقادهم الحق في المطالبة بقراهم ومدنهم وحقهم العودة إليها. أما أن يتبنى خطاب القيادة الفسطينية خطاب هذا التطهير العرقي ويبرره ويدافع عنه، فأكثر من مجرد الجريمة المعرّفة في التعريف الدولي.
ليست مسألة بحجم الهوية والوطن خاضعة لمنطق المستحيل والممكن. لو كان الأمر كذلك لتأبد كل استعمار في التاريخ في الأرض التي استولى عليها، ولما تكلّف عناء المقاومة والمطالبة بالتحرر أحد. إنه دائماً صراع غير متكافئ القوى بين الحق في الحياة والحرية وعدو عاكف على سلب الحياة والحرية. وكما كتبت إميلي تانت، في «الغارديان» مؤخراً، فإن «ميزان القوى في الأراضي الفلسطينية المحتلة هو ذلك الذي بين قوة المستعمِر مقابل قوة المستعمَر، والمضطهِد مقابل المضطهَد، والجاني مقابل الضحية».
بينما أكتبُ، يتحدث الرئيس الفسطيني على الشاشة، ممثلاً للفلسطينيين. وكان خطابه دائماً إقصائياً لي، كفلسطيني لم أنتخبه، لأنه يتخلى علناً عن بيت أبي في فلسطين. لكنه الآن غير ذي صلة بطريقة مستفزة، وكأنه لا يرى ما يجري وكم هو خطاب الاستسلام والسلام منفصل عن هذه اللحظة على الأقل. المناضلون، أي كل الفلسطينيين، يقولون بالدم لا أقل: لم نفوضك يا سيدي بالتنازل عن قريتي نيابة عني، ولا عملك ينسجم مطلقاً مع عملي ومطالبي. لقد أهدرت، وتهدر، كل الطاقة التي ينبغي أن يصنعها عذابي ودمي وتضحياتي حتى يكون صوتك أعلى وإيمانك أكبر وشعورك بفلسطيني الصغيرة الخاصة من فلسطيننا التاريخية طاغياً كما ينبغي.
و إذا كنتَ تريد فلسطين 67 لأنها قد تكون المتاح الممكن، ظَرفياً، فأي شيء تأخذه من عدوّ متجبر وأنت نفسك تحرره من أي ضغط؟ كيف يجوز أن تتناقض قيادة الفلسطينيين مع المقاومة، فكراً ونهجاً وعملاً –بل وتقمعها وتخدم العدو في قتلها كوظيفة وحيدة بائنة لهذه القيادة، ولا يمكن أن يتحرر شعب بلا مقاومة؟ وهل صحيح أنكم تعتذرون، الآن، عن مقتل جندي احتلال في الضفة كخطأ لن يتكرر؟ وهل صواريخ غزة تؤخر حقاً مساركم للتوقيع على التنازل الأبدي عن حصتنا من فلسطين؟ عن أكثر من 80 في المائة من فلسطين؟
استعاد الفلسطينيون تعريف فلسطين الحقيقية، المعنى والتاريخ والأرض، بالدم. وأعلنوا رفضهم للتعريفات المختزلة حد الإسفاف الصفيق، وغير الأخلاقية بأي تعريف لوطنهم التاريخي. ويستلزم ذلك أن يذهب أصحاب هذه التعريفات الخائنة لحق فلسطينيين معظم فلسطين معها. وسوف يفهم الفلسطينيون أي دولة قد تنشأ على جزء من فلسطين- والتي يستحيل أن تتيحها إلا المقاومة- على أنها الممكن المؤقت على أساس: خذ وطالب. أما الذي لا يمتلك جرأة المطالبة بكامل الحق، ولا المكر والإخلاص لاستعادته، فلا ينفع حتى كمحام متمرن في قضية شيك صغير بلا رصيد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock