أفكار ومواقف

استعارات بائع الورد

الخميس الماضي، وعندما كان الجميع يهيئون أنفسهم ليوم جديد، ممنين النفس بأن يحمل لهم فرحاً ونجاحاً، كان هو يستعير أبياتاً من قصيدة الشاعر الأردني غازي الجمل، لينشد قائلا:
«قف شامخاً مثل المآذن طولاً
وأبعث رصاصك وابلاً سجيلاً»
في ذلك الصباح، قرر سند خالد الطرمان أن يكسر عادته اليومية، فلا يذهب إلى عمله، بل قرر أن ينجز عملاً تركه الآخرون منذ زمن، سوى قليلين يذكروننا بوجوبه بين فترة وأخرى!
ابن المدينة العتيقة، انطلق بسيارته، وهو مصمم على أن يبين للعالم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس وزراء الكيان المحتل بنامين نتنياهو، وصفقاتهما العبثية، لا يمكن أن تمسح الحقوق المتأصلة فوق الأرض، فهي ثابتة مثل لون البشرة والعيون، وراسخة مثل دفء تموز، وبرد كانون.
اقتحم سند تجمعاً لجنود صهيونيين، موقعاً العديد من الإصابات بينهم، سائراً على خطى أصدقائه من الأسرى والشهداء الذين قرروا أن يكونوا مختلفين وأن لا ينزلقوا في متاهات التبريرات السياسية التي أجازت مصافحة القتلة.
سند، الذي يملك محلاً لبيع الزهور في مدينة القدس المحتلة، لا شك بأنه يعرف الجمال، ويستطيع أن يتبيَّنه في كل الأشياء المحسوسة والمعنوية، ولا شك كذلك أنّه علم أن العملية التي سيقوم بها، هي بطولة، وهي ما يندرج ضمن قائمة الخير والجمال، وبأنه سيلهم غيره من الشبان الغيورين لكي يقوموا بواجبهم تجاه وطنهم، تماماً مثلما ألهمه غيره من الشبان الفلسطينيين لهذه البطولة.
في القراءة الأولية لعملية سند، الذي وقع أسيراً بيد قوات الاحتلال بعد العملية، نستطيع أن نتأكد أن جيلاً من الفلسطينيين الذي نشأ في ظل أوهام مدريد وأوسلو ووادي عربة، لم يبلعْ الطعم الذي أراده له الساسة، إذ ما يزال يعتقد بجدوى المقاومة، وبأنها وحدها من تجلب الحقوق، وليس المتاهات التي أدخلنا فيها العالم، والتي لم تجرّ علينا سوى الخسارات المتعاقبة، وآخرها «صفقة ترامب» الغبية التي أراد منها أن تكون مسماراً أخيراً في نعش الدولة الفلسطينية، وإعلاءً لشأن دولة الاحتلال، بما يزيد من قوتها وقبضتها، وبالتالي تحكمها أكثر في المفاصل المهمة والقضايا المصيرية للمنطقة بأكملها.
هذا الجيل يتصدى اليوم لأخطر مخططات الاحتلال الصهيوني، والإمبريالية العالمية، ولا يهادن ولا يساوم على الحقوق.
«قف شامخاً مثل المآذن» يا سند بعد «الدهس المقدس» الذي نفذته، وأشّرت فيه بوضوح إلى أن الحقوق لا يمكن لها أن تسقط بالتقادم، وأن الشعوب يمكن لها أن تضعف أحياناً، ولكن ليس دائماً خصوصاً الفلسطيني الذي تعود أن ينهض من الرماد، وأن يطيح بأعدائه وبالمتآمرين عليه.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock