أفكار ومواقف

استفزاز نيابي

هناك ما يفخر به الأردنيون جميعهم، وهو وقوفهم غير المشروط إلى جانب الأشقاء الفلسطينيين في نضالهم العادل لتحقيق دولتهم. هذا الأمر بالنسبة للأردنيين يأتي خارج حسابات المآرب الضيقة، وخارج الاصطفافات المصلحية، وأيضا خارج سياق المزاودات السياسية التي تزدهر من حولهم.
ربما هذا الأمر بالذات هو ما جعل الشارع الأردني يستهجن كلام النائب محمد هديب في جلسة مجلس النواب يوم الاثنين الماضي، كونه لم يمنح أي خصوصية للعلاقة الأردنية الفلسطينية، ولم يلتفت إلى جهود المملكة الرسمية، وعلى جميع المستويات، التي تبذل لصالح القضية الفلسطينية، بل أطلق الكلام على عواهنه. كان كلامه مستفزا وخاليا من اللباقة السياسية، والأهم أنه لم يكن منصفا للأردن الذي يناضل في قارات العالم جميعها لإعادة الاهتمام بالقضية التي يراها أساسا لاستقرار المنطقة، وهو غير مستعد للمساومة على ثوابت لم تتزحزح على مدار عقود.
المشكلة في كلام النائب الشعبوي أنه قال إن الطريق إلى فلسطين معروف للجميع، غير أنه لم يبينه لنا، بل قدم خطابا رومانسيا اعتدناه من شعبويين عديدين بجميع مواقع المسؤولية في العالم العربي، قادوا إلى نكسات عديدة، وساهموا في كوارث قومية قادت إلى تدخل دول العالم جميعها في منطقتنا، وأدت إلى وضعنا في ذيل قائمة الأمم.
لن يكون صحيحا القول إنه ما من أحد يساند النضال الفلسطيني في سبيل إنشاء كيان سياسي، فالأردنيون ظلوا على الدوام مؤمنين بهذا النضال ومساندين له، بحكم الجوار وروابط الدم والتاريخ والمصير. كما أن الوصاية الهاشمية على المقدسات، ساهمت في أن تحفظ الوجه العربي لمدينة القدس المحتلة، وأن تمنع الاحتلال من تغيير كثير من ملامحها.
إن أي حديث يتجاوز عن الأردن في هذا السياق، فيه غبن كبير لا يمكن المسامحة فيه، خصوصا حين يكون صادرا من نائب يمثل الوطن وناسه الذين لا يحفلون بالادعاء ولكنهم يغضبون حين يتم تزوير مواقفهم وتضحياتهم.
نحن هنا لا نريد تحميل كلام النائب أكثر مما يحتمل، فقد يكون الأمر مجرد كبوة، وقد لا يكون في باله الغمز على الموقف الرسمي الأردني، ومع ذلك ينسى النائب أن ثمة دولا عربية وإسلامية عديدة لا تحرك ساكنا تجاه ما يجري في فلسطين، مثلما ينسى تماما أن الأردن لا يفوت فرصة إلا ويؤشر على المعاناة اليومية التي يعيشها الفلسطيني، ويحاول جر وعي العالم إلى هذه المأساة المتواصلة على مدار قرن كامل. وأكثر شيء ينساه هو أن فلسطين بكاملها تعيش تحت احتلال عنصري بغيض، وأن هامش الحركة بالنسبة للأردن ضيق جدا، لا يتأتى إلا من خلال ما وفرته له معاهدة وادي عربة، رغم التعديات الإسرائيلية المتكررة عليها.
كلام النائب ينفع فيه قول الشاعر “وظلم ذوي القربى أشد مضاضة”، فهو يطعن من الداخل.. وهو بهذا المفهوم أشد إيلاما، فحين لا يرى أبناء البلد التضييق والعقوبات التي يتعرض إليها في سبيل تمسكه بثوابت سياسته تجاه فلسطين، حينها لن نعتب على آخرين يجرحوننا بسكاكينهم ليل نهار، ولن نعتب على من يحاولون جرّنا إلى مراحل الضنك والتجويع من خلال حصار اقتصادي، لكي نستسلم لصفقة باركها القاصي والداني، غير أن اليد الأردنية ما تزال ترفض الإمساك بالقلم من أساسه لأن في ذلك تجاوزا للثوابت الوطنية الراسخة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock