أفكار ومواقفرأي اقتصادي

استقلالية البنوك المركزية الجوهر

في خضم الأزمات الاقتصادية، تزداد الضغوط من قبل الأطراف المتأثرة من التراجع ويبدأ البحث عن الحلول، وفي معظم الحالات يكون جوهر المشكلة مالي الطابع، فيما تعمل السياسة النقدية على مواجهة تلك التحديات بأدوات مختلفة في معظمها دواء مر غير شعبوي.
وفيما حصل في الولايات المتحدة مثال واضح؛ إذ بدأ التباطؤ الاقتصادي، فانقلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على رئيس الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي الأميركي)، جيروم باول الذي عين خلفا لجانيت يلين في نهاية 2017، والذي يحظى باحترام الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
رغم هجوم ترامب المتكرر على باول وحتى بعد التخفيض الأخير -حيث وجد أن نسبة التخفيض بربع نقطة غير كافية- إلا أن ذلك لم يغير من صرامة قرار باول ومضى في تنفيذ سياسته بعيدا عن الضغوط.
والحالة التركية نموذج آخر على عواقب تدخل السياسيين في سياسات البنوك المركزية، وتحديدا ما مرت البلد به بعد انتخاب الرئيس رجب طيب اردوغان وتدخله في السياسة النقدية، مما أفضى الى تراجع حاد في سعر صرف الليرة التركية أمام العملات العالمية في العام 2018، خصوصا بإعلانه في فترة الانتخابات كراهيته لسعر الفائدة وما تلاها. وعجز المركزي التركي عن ضبط التضخم حتى وصل إلى قرابة 20 %.
وفي مجمل الحالات، يتسم أداء وقرارات البنوك المركزية في مختلف دول العالم بالبعد عن الشعبوية، وهو سر من أسرار النجاح، وهم بالعادة يعملون في صمت للحفاظ على الاستقرار النقدي، فالشعبوية كارثية العواقب إن جاءت على حساب الاستقرار النقدي.
وفي الأردن، استطاعت السياسة النقدية، منذ انطلاق شرارة الربيع العربي، ترسيخ أركان الاستقرار النقدي والحفاظ على جاذبية الدينار والموازنة بين السياسات التوسعية والانكماشية، واستعادت الاحتياطي الأجنبي من مستوى 6.3 مليار دولار الى نحو 14 مليار دولار حاليا.
وبعيدا عن نجاح أو فشل برامج الإصلاح الاقتصادي التي نفذتها الحكومات المتعاقبة، بقيت السياسة النقدية للبنك المركزي محط احترام خبراء صندوق النقد الدولي. فرغم اختلاف مسؤولي الصندوق معها في بعض الأحيان، ثبتت نجاعة القرارات التي اتخذها البنك المركزي الأردني لتعزيز الاستقرار النقدي بعيدا عن أي ضغوط، ففي أحيان خفض المركزي الأردني سعر الفائدة خلافا لرأي النقد الدولي، وأثبتت الأرقام صحة وسلامة موقفه ووضوح رؤيته.
كذلك استطاع البنك المركزي الأردني تفعيل أدوات نقدية غير تقليدية بنوافذ إقراضية لنحو 6 قطاعات بأسعار فائدة منخفضة، وهي تجربة بدأت بعض البنوك المركزية في المنطقة بالاستفادة منها وتقليدها.
الخلاصة أن صون استقلالية المؤسسات المالية، وعلى رأسها البنك المركزي، مسألة حيوية، ذلك أن جوهر مهامه، بموجب قانونه، هو تعزيز الاستقرار النقدي بالدرجة الأولى وحفز النمو الاقتصادي ثانيا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock