استقلال 68

استقلال 68: التحدي أخطر وأكبر

جمانة غنيمات

الاستقلال مبدأ لا يتوقف. فمنذ استقل الأردن قبل 68 عاما، وعملية بناء الوطن الحديث المدني متواصلة لا تهدأ.
وربما تكون المرحلة الحالية صعبة بدرجة لا تقل عما عرفه العهد المبكر من الاستقلال؛ فالمشهد الإقليمي مقلق، والأوضاع في الدول المجاورة لا تسر عدواً، فكيف بصديق أو محب!
على صعيد الحالة العامة الداخلية، فرغم مظلة الأمن والأمان التي تخيم على الجميع، إلا أنها لا تمنع احتمالية حدوث ارتدادات لما يجري في المنطقة، ما يفرض تحديات تطل برأسها هذه المرة بشكل وطعم مختلفين.
يمكننا كتابة مطولات احتفاء بعيد الاستقلال. ويحق للأردن الاحتفال وهو الوحيد الذي عبر “الربيع العربي” بسلام؛ إذ استطاع بحكمة قيادته ووعي شعبه تجاوز تلك المحطة القاسية التي أزاحت أنظمة، وخلقت فوضى، وأسالت الدماء العربية بنيران صديقة، كما يقال! فالدم الذي سال ويسيل في دول شقيقة، لا يوازيه ما سُفك إبان فترات الاحتلال. فحتماً أن سورية لم تفقد نحو 200 ألف من أبنائها للتخلص من الاحتلال الفرنسي.
الأردن تجاوز النقطة الحرجة، ما يعطي الأمل بامتلاكه أدوات تمكنه من تجاوز أزماته الداخلية، بكل تنوعاتها. كما يصح بذلك أيضا افتراض أنه المؤهل لمعالجة ارتدادات البراكين والهزات الأرضية التي تضرب الإقليم، والوقوف في وجه المخاطر المتأتية عنها، لاسيما الأمنية منها.
أخطر ما نشهده ونواجهه اليوم، هو التطرف والإرهاب اللذان يجتذبان شبابنا والجيل الجديد، ويجعلانهم هدفا سهلا لهذا الفكر الهدام الذي يدمر المجتمعات ولا يبنيها.
السؤال المحوري الذي يلخص التحدي، وربما يقدم لوضع إجابة عنه: لماذا ينضم شبابنا إلى “داعش” و”النصرة” وغيرهما، ويجدون في هكذا تنظيمات حاضنة لطموحاتهم وأحلامهم ومستقبلهم؟ ما الأسباب التي أدت إلى نزوع شبابنا نحو التطرف والإقصاء؟ هل سيتوقف مد التطرف عند هذه الحدود، أم ما تزال فرصته قائمة لتدمير المزيد؟
للأسف، البيئة خصبة لتنامي هذا الفكر. وأظن أن شبكة الصياد قادرة على اصطياد المزيد من شبابنا، طالما أن الأسباب التي قادت أسلافهم إلى ذلك ما تزال قائمة؛ وهي الأسباب المتمثلة خصوصاً في الفراغ الفكري والسياسي والروحي، وغياب البدائل السياسية التي تقنع الشباب بأن لديهم فرصة لتحقيق العدالة سلماً، مع ما يعنيه ذلك من استعادة الكرامة والحرية.
التحدي كبير، والخلل ليس سهلا. لكن تظل مواجهتهما ممكنة بتحقق شرط الإدراك الفعلي لحجم التحدي والخلل، مرفقا بخطة إنقاذ ما هو ممكن من شباب هم فريسة سهلة لهذه التيارات والجماعات.
الحل فكري بدرجة كبيرة، لكنه أيضاً سياسي واقتصادي واجتماعي. فكل التشوهات والإحباطات التي تخلقها الحالة العامة محلياً، تسهل عملية استقطاب الشباب، وهم غالبية في مجتمعنا.
الأردن لم يخل يوما من التحديات. والجبهة كانت دائماً مفتوحة على أزمات طالما عبرناها بسلام. وإدراك التحدي الجديد الذي بدأ يعصف على وقع الثورات العربية، هو أولى خطوات الوصول إلى العلاج الذي ينهي المرض الفتاك.
في أزمات سابقة، سياسية ومالية، كنا نجد العون من الخارج، بما ساعد على تجاوز التحديات. لكن في مواجهة تحدي التطرف الماثل أمامنا اليوم، لن يستطيع أحد مساعدتنا. فالعلاج داخلي بدرجة أولى، يبدأ من التعليم الأساسي؛ عبر بناء جيل يؤمن بالمدنية والتعددية واحترام الآخر، وفتح الباب للحياة الحزبية الحقيقية، وتوفير رؤية اقتصادية تجدد الأمل والإيمان لدى الشباب بأن الآتي أفضل كثيراً مما كان.
كل استقلال والأردن ملكا وشعبا بألف خير.

[email protected]

@jumanaghunaimat

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock