أفكار ومواقف

استمتعوا بموبايلاتكم اللعينة

كانت هذه العبارة “استمتعوا بموبايلاتكم اللعينة” تملأ غلاف العدد الأخير (12 أيلول 2109) من النسخة الورقية من صحيفة ديلي اكسبرس التي كانت توزع مع صحيفة واشنطن بوست
. “hope you enjoy your stinking phone”
إنها النهاية، كتب دان كوكافورو في افتتاحية النسخة الأخيرة من الصحيفة التي كانت توزع مجانا في محطات المترو، وتسمى صحيفة الركاب المجانية. يقول كنت أعرف أنه يوم قادم حتما لإسدال الستار على تجربة استمرت 16 عاما، لم يكن حين بدأت التجربة “سمارت فون” ولا فيسبوك، وكان تصفح الايميل في غير أوقات العمل يعتبر إدمانا يبعث السخرية. في تلك البيئة كانت “ديلي اكسبرس” صحيفة جذابة وسريعة ومسلية فكرة رائدة في أثناء الذهاب إلى العمل والعودة إلى البيت. وكان أمرا مألوفا أن ثلثي ركاب القطار في ساعة الذروة يقرؤون “اكسبرس” التي كانت توزع يوميا حوالي مائتي ألف نسخة.
اليوم يحدق جميع الناس في موبايلاتهم، في وسائل النقل العام وفي أثناء القيادة وفي الزيارات واللقاءات والمقاهي والمكاتب والاجتماعات والمجالس .. واجتماعات البرلمان، ولم يعد ممكنا الاستمرار مع هذه الموجة الجديدة التي تغمر حياتنا وأعمالنا. فالقوى التي تقف ضد بقاء الصحافة المطبوعة تبدو متفوقة على نحو كاسح.
لا أعرف اليوم شيئا عن الصديق الشاب الذي كان يحضر لي نسخة من المطبعة بعد منتصف الليل، كان يعرف أني أحب قراءة الصحيفة فور خروجها من المطبعة، وكان يمنحني هذا الفرصة العظيمة مكتفيا بالشكر والامتنان اللذين كنت امنحه إياهما، ولا أعرف أيضا عن الشاب الذي كنت أنتظره في الفجر أمام البيت لأتناول منه الصحيفة وأبدأ بها يومي، وصار يشاركني الطقس ابني الصغير الذي لم يكن يتجاوز الرابعة فيأخذ ملحق الرياضة معجبا بصور اللاعبين والمباريات ويفرش الصحيفة على الأرض ويحاول تقليد اللاعبين في حركاتهم. بعد ذلك بأربع سنوات وكان عمره ثماني سنين؛ قلت له سيأتي صديق لي اسمه منار لتعطيه هذا الكتاب لأني لن أكون موجودا. قال أعرفه، إنه الأصلع الذي تنشر صورته في الغد! ولم أعد أعرف أيضا عن منار، فقد ترك الصحيفة وانتقل للعمل في مجال آخر غير الصحافة، وأما ابني فلم يعد يتذكر الصحيفة، هو مثل كل أبناء جيله يعيش في الموبايل، إنه من جيل “Z” كما يصفهم لوتشيانو فلوريدي؛ مؤلف كتاب “الثورة الرابعة” الذين ولدوا بعد العام 2000 ونشؤوا محاطين بتواصل دائم لا يتوقف مع الشبكة، ولم يعودوا يميزون بين العالم المادي وعالم الشبكة، أو لم تعد الشبكة بالنسبة إليهم عالما افتراضيا، افتراضي تسمية تخص الجيل السابق ويسخر منها الجيل التالي.
يقول فلوريدي: من المحتمل أن نكون الجيل الأخير الذي يشهد فرقا واضحا بين بيئة متصلة بشبكة حاسوبية online وبيئة غير متصلة offline، وأما الجيل القادم فلن يرى فرقا بين “الانفوسير” والعالم المادي.
لا يعرف جيلنا الذي يفكر للجيل القادم ما يكفي ليقول إلى أين نمضي، إننا ندخل في مرحلة يعرف فيها الصغار أكثر من الكبار، لكن لسوء حظنا وحظهم فلن يكون في مقدورهم تطبيق معرفتهم إلا بعد عشر سنوات على الأقل حين يبدؤون في المشاركة في قيادة الأعمال والمؤسسات، ويحتاجون أيضا إلى عشر سنوات أخرى حتى يتمكنوا من إزاحتنا، ثم إلى عشر أخريات حتى يقضوا علينا أو يبعثوا من تبقى منا إلى مراكز إيواء المسنين، .. ربما يكون بعضنا ممن نجا من الموت والزهايمر مفيدا في عرض أحداث ووقائع غريبة كانت تجري في هذا العالم، أشخاص متوحشون كانوا يقطعون الأشجار ليصنعوا منها صحفا وكتبا ومجلات!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock